الأحد، 19 فبراير 2012

سـُقم



ليس الذي تثقل فيه القدمان
وتنهار الأسنان
ولا الذي يسكن فيه الخريف تحت الجلد
ولا تفرق فيه بطاقة الذهاب عن الإياب
لا الفراغ الدائر في النوافذ المغلقة
ولا الغبار المارق في الأفئدة
وانفصام أجمل الذكريات
هو فوق الصوت الكئيب المفتت في العمى
ليس فرعا من الموت
وقسطا من اليأس
وجزء من الدموع المزنـّرة
أن أرذل العمر
هو الذي لا تعرف فيه كيف تحب।

Dalida & Serge Lama - je suis malade


الثلاثاء، 14 فبراير 2012

من الخزائن القيمة لـ Amy Winehouse


المولودة لكي تتعذب وتصهرنا في الربيع


كأنك لا تقيمين في جسدك
لمتراكم فيه الألم كمياه تعدو
هو لسانك المقطوع
في بهائك المغطى بالعصافير
كفراشة منحوتة من أجل الموت
تمضي أذرع كلامك
لجذورنا المفروضة
مغطية ذلك البرّ .. الذائب
بالعبارات السائلة كالتجاعيد

من ذلك الليل الضائع
يبرق صوتك كالصمت مرة
وكالضياء مرات
لتفتحي ندب الهواء
في جناحيك
ولتتحولي
إلى قفزة ريح
تنقذ الماء الناشف في حلوقنا

اختتمي
الأغنية المنسية
واختبئي في الشفاء

من أوجاع فروغ فرخزاد


إلى أحلامها الباردة والهادئة الممتدة عبر الليالي والحمائم البريئة

لنؤمن ببداية فصل البرد


أنا عارية كالصمت بين كلمات الحب،
وكل جراحي منبثقة من الحب،
من أن أحب...
هل سأتمكن من أن أمشط شعري من الريح مجددا؟
هل سأتمكن من زرع زهور الثالوث في الحديقة مجددا
وأضع أزهار برة الراعي في السماء خارج النافذة؟
هل سأتمكن من أن أرقص على أكواب النبيذ مجددا؟
هل سيناديني جرس الباب مجددا نحو صوت مرتقب؟

كم كنت محبا عندما حملتني إلى
مروج الحب
عبر ظلام قامع
إلى أن أنسدل ذلك الدخان المندفع،
والنفس الأخير للعطش الملتهب
فوق حقل النوم.
وتلك النجوم الكرتونية
دارت حول الأبدية
لمَ أطلقوا على الأصوات اسم النطق؟
لمَ رحبوا بالنظرة في منزل الرؤية؟
لمَ حملوا اللمسات
إلى شعر العذرية الخجولة؟
انظروا كيف صلبت هنا
روح شخص تلفظ بكلمات
شخص عانقته نظرة
شخص هدأت قبلاته المتحفظة
على مشنقة الهواجس
وكيف انحفرت
علامات أغصانك الخمس
التي كانت كحقيقة من خمس كلمات
على وجنتي.

عندما ينام الربيع مع السماء خلف النافذة
بأسهم ضوء خضراء
ستزهر الأغصان، يا أعزّ حبيب
لنؤمن ببداية فصل البرد.

تلك الأيام


وكان الحب
يعبر عن حاله في سلام خفر
ذلك الشعور المضطرب
فجأة
كان يحاصرنا
في ظلمة رواق وتتجاذبنا
وسط غمرة من اللهاث الحارق وخفقان القلب
والبسمات المختلسة

وداعا

أقسم بأن أخرج من مدينتك
قلبي المجنون
آخذه إلى مكان بعيد
كي أغسله من صباغ الخطيئة
أغسله من لطخة الحب

عصيان

تعال أيها الرجل، أيها المخلوق الأناني
افتح أبواب القفص
كي أرخي جناحي
وأطير صوب سماء الشعر الساطعة

منسية

نظمت قصيدة كي أرفع عن قلبي
حمل أسى حبه الثقيل
أصبحت القصيدة
تجليا لوجهه
لمن أشكو
ظلامة حبه

يا نجوم

نعم، أنا التي في عز
هدأة الليل
أمزق رسائل الغرام
مضى بعيدا، إلا أن حبي له
لن يفارق قلبي أبدا
يا نجوم، ماذا جرى
كي يتخلى عني؟

النافذة

الأحلام دائما ما تقع من على
سذاجتها وتموت.
ها أنا أشتم نبتة برسيم من أربع ورقات
نمت على سطح قبر المبادئ القديمة.
أولم تكن المرأة التي تحولت إلى غبار
في كفن انتظارها وطهارتها
شبابي؟
هل سأتمكن من أن أتسلق مجددا سلالم فضولي
لأحيي الإله الطيب الذي يمشي
على سطح منزلي؟
أشعر أن الوقت قد غفل عني.
أشعر أن "اللحظة" هي حصتي
من أوراق التاريخ.
أشعر أن الطاولة حاجز غير مرغوب
بين شعري ويدي
هذا الغريب الحزين.
قل لي شيئا.
أممكن أن يكون الشخص
الذي يعطيك حنان جسد دافئ
يريد منك شيئا آخر
عدا الشعور بالحياة؟
قل لي شيئا.
في ملجأ نافذتي
أنا متصلة بالشمس.

أنا محبطة

أنا محبطة
آه كم أنا محبطة.
أتوجه نحو الشرفة وأمد أصابعي
فوق جلد الليل المشدود
والمصابيح المربوطة مظلمة، آه كم هي مظلمة.
لن يعرفني أحد إلى نور الشمس
أو يرافقني إلى اجتماع عصافير الدوري.
احفظ الطيران،
فالعصفور فان.

* تحية إلى مايكل هلمان وبولس سرّوع اللذان احتفيا بـ "المرأة الوحيدة" قبلنا.

مرة ً كلّ حب



هندسة الهوى أميبية
لكل فرد فيها متاهته
وجينوم أسطره
فلنتعقب أيـّا من زَبدِها
مُذاب خط ّ العشق
في منقلب الكفّ:

الحب الرحيم :

سرّهُ باهرٌ كالسرّاء والضرّاء
والمحكوم عليهم بالحياة
كقارئي المراكب في هدأة البحر
وضّاح عديم النسمة
حملٌ زائد على دراجة القلب
جياد مشتتة الذهن
وحرث في ثلج مرصوص
مقروء كمرض شهير
ومكرر كالنوم.

الحب الواهي :

لا يأمل إطناب
يجاري عطشه بامتداح الضآلة.

الحب الصافي :

انقيادي البريق ومحض موازين
نبوءات طافية ترضع بحثا
عن مفتاحها.

الحب الخامل :

يتمادى في حين
ويصعق في آخر
لكنه على طول المسار نموذجا للغياب.

حب الإغواء :

متواصل كالماء
مخاتل كوريد متقد
سيد الرهافة ومنتزع العبثية ومروّع اللمعان
قهـّار يتكاثر في الاستعباد
مخمّر من رماد
وإليه يعود.

حب الحب:

ويسمونه أيضا الحب من طرف واحد ؛
صاغر وكريم ومؤدب ومسكين
يبدل ملاءاته كل دموع
مؤرق ومؤجل وجائع ومهووس بالبحث
محبون الحب يهوون التظلم والسهر
ويظنون أنهم سيفقدون حبهم ما أن يناموا
لذلك تبقى عيونهم مفتوحة
متأملة مقدم الحبيب
حتى يموتوا باستسلام.

الحب الخادع :

أزلي ومحفوف بالنهود والأرداف والأعضاء الجائحة
معطوب بالشبق غير الصبور
دنس ومسخ ومربك القلوب بالحل البسيط
وناعم كمسألة مرسّخة.

الحب الصامت:

أعمى لا أحد يساعده على عبور الشارع
وحيد لا من يلمس كفه
غريب ليس لديه من يلجأ إليه
عاجز لا قدرة على فعل شيء
نزيف مستمر أمام المرآة.

الحب الأكبر:

لا يؤمن بالاتجاهات
خفقة واحدة تكفيه
لكي ينجّي العالم
ويا ويح شهيقه
لو كان أعمق من زفيره
يحمل : ضمير الكناري ونوبة الشياطين وأسمال الأشداء وأنفاس الريف والتميمة المنوّمة وحلوى العجائز وجرعة الجرحى وتقويم القمر وذاكرة المغفرة وحرارة العدوى وضوء العين ووحدة الحضن وغيرة الأزواج وتناسق الافتراض واسم العتمة وكرم الفراشة والصمت القلق وتحضر النواح وحكمة المحن وتراضي الأمراء وخجل العذراوات وهذيان الصوفيين وخبرة السكيرين وعدوانية المتغطرسين وسماحة العاهرات وإدراك الأعشاب وحنان الأبقار وجنون الكبريت.

من جرّب كل أنماط الحب المذكورة
سيلقى الضريح الجميل
وكل الذين أحبهم
سيبدلون أثلامه
ويهوّنون عليه برودة الأرض
وسيقص على جيرانه الهادئين
حكايات عشقه
ويوم عرسه الأخير.

الجمعة، 3 فبراير 2012

نص الوحيد


الوحدة الحقيقية
أنك بعد أن أمضيت حياتك كلها
اكتشفت الآن وبعد تلاشي السبل
أنك وحيد।

حزنه الذي لا يوصف
بسبب الذكريات الرائعة التي تبددت
ولم يستطع إمساك لحظة منها।

ستتأكد من العزلة
عندما الباب لا يئن
بمرور العابرين
والمحركات تزأر رائحة غادية
والهاتف مجرد قطعة معدنية

وتنمو معك كل يوم آلام جديدة

والعصافير وحدها حولك تزيد।

مقذوفاً في المشرحة
سيلتقطك العمال مثل كيس

مع ما كنت تحمله
في يقظتك।

بعد أن دفنتهم جميعاً
الجميلون.. الرائعون.. الأثيرون
أدركت أن الموت يعشق الجمال।

مع حلول الموت
لا تحدث مفاجآت مفزعة
فحين نقابله سنتيقن وقتها
أننا كثيراً ما كنا ميتين. في الحياة।

حينما تكون في الموت
ستدرك منذ اللحظات الأولى
كم أسأت الظن فيه।

لا شيء سيتغير
حتى لو لم تكمل استعدادك
لا متعلقات هامة لديك على الأرض
مشطوب من سجلات التقاعد
ومسجل في دفاتر بعض الفنادق
حتى في نصوصك أنت غير موجود
فامض. قدماً إلى الموت
بلا التفاتة للبائسين الأحياء.


PERFUME


نموذج للسينما الحسية متكيف بعطر باتريك زوسكيند الرواية الأكثر رواجا في العالم منذ صدورها عام 1985 والمترجمة إلى 45 لغة والتي باعت 15 مليون نسخة حتى الآن. المدرسة السينمائية التي تحاول الغور في الأحاسيس ومس الوجدان وتحفيز المعرفة والعيون والآذان وإبقاء كل حواس المشاهد على المحك مع خدشها بلا رعاية أو رحمة. شاركت في إنتاج الشريط البالغ طوله 147 دقيقة ثلاث دول قدمت الكثير إلى السينما: فرنسا، ألمانيا وفرنسا، اختارت توم توكوير لإخراجه وإدارة البطل المثير لرواية العطر جان باتيست غرنوي الذي وصفه المؤلف منذ الأسطر الأولى بأنه أحد 'النوابغ الأوغاد' الذين برزوا في القرن الثامن عشر في فرنسا منتميا إلى أكثر الكائنات 'نبوغا وشناعة' واضعا إياه مع رجال مريبين آخرين هزوا عصرهم مثل دوساد وسان جوست وبونابرت وغيرهم. وكان المطلوب من توكوير أن يكون أكثر جدية في التعامل مع غرنوي (الممثل البريطاني الشاب بن واشوا) عنه في أفلامه السابقة، لأنه سيواجه شخصية ولدت في جو لاذع بروائح القرن الثامن عشر التي لا يتصور أي إنسان من عصرنا الحديث مدى نتانتها التي تفوح من الناس والمدافئ والمدابغ والشراشف والغرف غير المهواة والمباول والمسالخ والأفواه والأنهر والساحات، فالإنسان حسب زوسكيند لم يكن قد توصل في ذلك الزمان إلى وضع حد للتفاعل التحللي للبكتيريا، ولذلك لم يكن ثمة تفتح أو فعالية بشرية بناءة أو مخربة من دون أن ترافقها رائحتها.

مطر الأزهار الذي يذهب بالعاطفة إلى العاطفة والروح إلى الروح

ضفدع في 'مقبرة الأبرياء'
وفي باريس حيث كانت الروائح على أشدها وخاصة الجهنمية منها في 'مقبرة الأبرياء' التي ضمت موتى ثمانمائة سنة وعليها بالذات أقيمت ساحة السوق الذي ولد فيه جان غرنوي (في لهجة تلك الأوقات يعتقد أن اسمه يعني: الضفدع) في أشد أيام السنة سخونة حينما كانت والدته الواصلة إلى منتصف العشرينات والتي لم تعان من أمراض جدية عدا النقرس والسفلس والسل الخفيف، تقشر السمك الذي طغت رائحته على الجثث وكان الألم قد أمات عندها أي حساسية تجاه الانطباعات الخارجية للوجود، فاستلقت مثل سمكاتها المكومات لتضع مولودها جان كما لو كانت تتبرزه، كالمرات الأربع السابقة التي ولدت فيها تحت عربة السمك وألقت بأولادها مع نفايات السمك في نهر السين، لكن قدرها والحر الشديد ساعدا جان على الصراخ المتواصل الذي جلب أنظار الناس والشرطة في وقت كانت أمه قد قطعت مشيمته بسكين السمك. وبناء على القوانين السارية فقد اتهموها بجرائم القتل بحق أطفالها وعلقوها في مشنقة جاهزة، فيما كان الرضيع يصرخ بين أحشاء السمك والذباب ليمنح إلى مرضعة اشتكت من جشعه في مص حليبها دون أن يترك نقطة واحدة للرضع الآخرين.
للواقعية السحرية نسق خاص لا تصلح بالحسابات الواقعية المنضبطة حتى لو قدمتها سينما مذهلة

محنة المؤلف ومتاعب المخرج
وعلى توكوير تصوير كل هذه الفواجع في أقل من عشر دقائق مستعينا بأسلوب تقليدي ورث في السينما وهو صوت الراوي (أداء شون باريت الذي كان يصرف الانتباه بدلا من تركيزه بتلقينه المعلومات السهلة اختصارا للزمن وحذف الكثير من مقاطع الرواية لأغراض إنتاجية والتخلص من ديكورات صعبة التنفيذ، وكان يقرأ مقاطع مجتزأة من الرواية وكان عليه أن يوضح للمشاهد الذي لم يقرأ الرواية بان جان غرنوي لم يحمل أي رائحة وله قابلية على شم الروائح عن بعد كبير وتمييزها بشكل لا يستطيع مخلوق على ذلك.


السينما لا تستطيع أن تكون كل شيء في آن واحد وأن تحتل كل مستويات القوة في الأدب

ستتوالى متاعب السيناريو الذي شارك المخرج في كتابته مع السيدين بيرند ايشنغر وأندرو بيركين، منذ اللقطات الأولى حيث قدم غرنوي وهو في السجن مسحوبا إلى المقصلة وهو حدث يمهد للخاتمة، وبعد أن بدأ الفيلم بهذا المشهد نسي المونتاج والإخراج وكاتب النص السينمائي ربطه مع أجزاء الأفلام الأخرى، بل وأهملوه معتمدين على فطنة من قرأ الرواية وهو المشاهد الأتعس حظا بين الحضور في قاعة السينما، لأنه سيدرك منذ البداية السبب الذي جعل باتريك زوسكيند يعترض ولا يوافق على تحويل روايته إلى السينما منذ منتصف الثمانينات حتى تمكن صديقه المنتج الألماني بيرند ايشنغر من انتزاع موافقته الذي اختار العزلة وإنتاج الفيلم عام 2006 على الرغم مما قيل أن زوسكيند كان يفضل جهود: ستانلي كوبريك، فرانسيز فورد كوبولا، مارتن سكورسيزي، تيم بيرتن، كورت كوباين، ريدلي سكوت أو ميلوس فورمان، إلا أنهم جميعا رفضوا إخراج الفيلم لمعرفتهم بالمتاعب التي تنتظرهم في الرواية، وهو الإغراء الذي لم يضعف أمامه اللاتيني الأمهر غابريل غارسيا ماركيز الذي رفض عروض أكثر إغراء لتحويل روايته 'مائة عام من العزلة' إلى السينما.
سقط الفيلم لأنه موجه للمثقفين لكنه ضئيل الثقافة وطرزّ وريقات من الرواية وحرفها

الواقعية السحرية
وتذكرنا لهذه الرواية متعمد لأنه يستند إلى الواقعية السحرية التي لها نسقها الخاص الذي يصعب على السينما تجسيده، إن لم تكن حجر عثرة للدال والمدلول والتصاق الشخصيات وابتعادها بعضها عن بعض كما مع الآخر والأشياء المرئية منها وغير المرئية والثنيات السرية في بناء الشخوص والعالم خلف الجسد والحركة الفيزيائية له والجوهر الفاعل خلف الكلمة، ذلك الذي يمتلك المعنى الأكثر مملوكا من المشاهد - القارئ والذي لا يتكلم عنه، بل يكلمه أو يتكلم وفقا له أو يتركه يتكلم، مخترقا داخله نحو فضاء وعي مرتبط بنسيج كلمات لا يستطيع فن السينما بالرغم من رقيه، نقشه أو تبادل الأفكار معه ولن يستطيع خلق الأبعاد الكاملة للكلمات التي حدد الأدب وحده مسافتها ومداها.



قوة الأدب وأسلوب السينما
هنا سقط الفيلم لأنه موجه للمثقفين ولكنه ضئيل الثقافة وأمعن في تطريز وريقات من الرواية وتحريفها حسب فهم وأسلوب السينما التي لا تستطيع أن تصبح كل شيء في آن واحد وأن تحتل كل مستويات القوة في الأدب، فالحذف والإضافة وتغيير المسار والرؤية ستبطش بالمعنى والجوهر الذي خلقت من أجله الرواية، وكما يلتهم آكلو لحوم البشر في نهاية الرواية والفيلم جان غرنوي، فقد مزقه المخرج والسيناريو إربا وأنكر عنه أهم صفاته وتخطاها ليقدم قاتل فتيات شاحب ومهووس ونحيل ويهوى شم العطور.ومن دون تساهل خلط الفيلم عناصر لا يمكن التلاعب فيها ومزجها وأفرغ، بل وانتزع تلك الصعوبة اللذيذة للوضع المكاني ـ الزماني لفرنسا تلك الحقبة وأسطورة جان غرنوي المشيدة على الإبهار المطلق والمنظر الخاص المشتق من نفسه وحده وامتلاكه إياها مع تعاليه واحتقاره لكل ما حوله، فليس لديه نظرتنا حينما يسلخ قط كبير صانعي العطور في باريس جوزيف بالديني لإكمال تجربته التي هي أهم من هذه 'الروح' الشبيه له والقتل بالنسبة الى الآخرين جريمة بشعة، لكنها بالنسبة إليه مجرد خبرة ممنوعة بعد إنجازها يحقق هدفه وشخصيته بإنتاج عطر لا مثيل له، هو في الحقيقة رائحته المفقودة وشخصيته وإنسانيته التي قطعت بسكين تنظيف الأسماك في ناصية عفنة من 'مقبرة الأبرياء'.

Laura's perfume

بيضة الشيطان
هذا التعيس جان، المولود بين أحشاء الذبائح، شجع النقاد على إحالة حكاية زوسكيند إلى أسطورة 'بيضة الشيطان'، لقد أراد تعويض فقدانه للرائحة الذاتية لخلق رائحته الخاصة بمزيج من العذراوات كتنقية لسلطته وفهمه الخاص للحياة التي تبدأ لديه من الرائحة.ومن قال إن الجرأة تنهض بالسينما دائما وهل أن المشاهد المركبة تنفع بالضرورة؟ وإذا توافرت عناصر الصلب هل سنحصل على حكاية السيد المسيح كما حاول مشهد ساحة الإعدام الذي انتهى بسيل الحب؟إن الفيلم مظلم ومظلم جدا ومركز على هوس وحيد، قد لا يستطيع المشاهد تحويل بصره عن بعض الصور المريعة، لكنه لن يقدر على التوقف عن مراقبة الرعب والسحر الذي يحمله حاصرا الخيال لمهمة الاستدعاء.


أمثلة التحريف
ويبقى الشيء الوحيد الذي لا يغتفر ولا يمحو عيوب الفيلم هو عدم وفائه للرواية وخاصة قضيتها الجوهرية والحوادث العديدة التي حذفت وتلك التي مروا عليها بسرعة فائقة لم تنقذهم من اختصار دقائق الشريط المفرط الطول. ويمكن إيراد أهم أجزاء الفيلم التي تعرضت للتحريف الخطأ:1 ـ في الرواية يقتل جان غرنوي عن عمد، أما في الفيلم فعملية القتل الأولى التي جرته إلى سلسة من الجرائم كانت بالصدفة لإخفاء صوت الفتاة المستغيثة. وبالتالي فهو يقتل كما ذكر لوالد الفتاة الأخيرة: كانت مهمة بالنسبة إلي. ويقصد رائحتها. 2 ـ كبير صانعي العطور في باريس داستن هوفمان كان في الرواية الحكيم والمعلم الأول له الذي صقل موهبته الفطرية بتدريبه على كيمياء العقل قبل الغريزة وعلمه الأسلوب وكان رحيما به، فيما يزعق في الفيلم أكثر مما يعلم. 3 ـ والد الفتاة كان في الرواية إنسانيا وضحية، فيما أظهره الفيلم متزمتا جافا ومتعطشا للانتقام. 4 ـ الخاتمة التي انتظرها الجميع من السينما عانت بعض المشاكل: أولا ـ إظهارها بالحركة البطيئة بخلفية موسيقى رائعة هدأ من روع المشهد، الذي كان من الممكن أن يكون واحدا من أهم المشاهد في تاريخ السينما. ولعلكم تتصورون ماذا يعني أن يمارس الآلاف، في ساحة عامة، الحب بشكل علني ابتداء من أب الكنيسة وإلى الدرك والجلاد المشرف على مقصلة الإعدام.الحركة البطيئة هنا، أفقدت المشهد سخونته ودفقه ووحشيته ونزقه وحافظت على جماله فقط، فالذي حدث لم يكن ممارسة حب بين عاشقين، بل تفجر شبق بطاقة أهملها الشريط لصعوبة تصوير الطاقة على الأرجح، كان المشهد شديد الرومانسية، فيما هو في الرواية زلزال مشاعر. ثانيا، من قال إن مؤلف الرواية قدم شخصية الملاك؟ إن الناس في الساحة هم الذين رأوه ملاكا، لكنه كان شخصية خاصة جدا ونادرة ولا يعلم بأنه ملاك أو غيره من التسميات البشرية، لم يبال البتة بهذه الأوصاف ولا يغتر ما إن سمع الناس ينادونه بالملاك، إنه حتى لا يعرف ما الذي يعنونه بهذه المفردة، فكيف يرفع يديه كأنه صدق فعلا أنه صار ملاكا، ليستجيب لحركتهم في السجود إليه، هذا الإيماء لم تحتوه الرواية، ولهذا السبب كانت عظيمة، لم يعنه ما الذي يكون، هو اهتم بالرائحة وبالعطر الذي صنعه، جل هدفه كان صناعة عطر خالد لا يضاهى، هذا ما قاله لهوفمان: سأصنع العطر الوحيد!ثالثا، لماذا جنح الفيلم ودس في غضون ممارسة الجميع الجنس في الساحة استرجاع البطل لذكرى الفتاة الأولى التي قتلها وكأنه يحبها ويمارس الجنس معها؟أن غرنوي لا يستطيع أن يحب وغير مهتم بالحب وسلوكه استحواذي، لكنه فجأة يبدو عاشقا في الفيلم بمشهد الاسترجاع شاحب الخيال وكم ستكون مصيبة المخرج كبيرة لو يصدق المشاهدون بان غرنوي وقع فعلا في حب ضحيته الأولى!الرواية لم تتطرق لهذا المنولوج بالمرة، لأنه ببساطة غبي، ونسف تكوين شخصية زوسكيند، إنه مخلوق بلا رائحة، ولد في جوف زريبة أسماك، وكان يبحث عن رائحته الخاصة (شخصيته) في الروائح العظيمة للنساء اللواتي تعرف عليهن وكانت الأولى والأخيرة أهم الروائح التي شكلت عطره الفريد، وإذا كان تذكره الفتاة الأولى، لكونها الأولى التي شكلت رائحته التي قدمها للعالم.هنا لم يفرق الفيلم بين فلسفة الروائي وتكوين الشخصية الداخلي، كذلك لم يفرق بين ما هو عليه وكيف ينظر إلى الناس والكون وكيف ينظر الآخر إليه، هو لم يهتم بالآخرين فكيف غيرهم وجعلهم يحبونه إلى حد العبادة والالتهام؟ فأكثر ما كان يشغله عطره الخاص، فرادته وقيمته الخاصة، مشهده الخالد.رابعا، كثيرا ما تبدل السينما الروايات، وأكثر ما تضيف وتغير وتحذف، لكنها في حالات تتدخل وتغير نحو الأحسن، هنا كان التبديل نحو الأسوأ، حيث نسفت عظمة الرواية وأهم ما تملكه وقدمت شخصية أخرى، ناهيك عن عدم التوفيق في رسمها والصورة البشعة فنيا التي ظهر عليها البطل منذ اللحظات الأولى لظهوره في الفيلم حتى المشهد الختامي.خامسا، كان يريد أن يتلاشى بين الناس، لذلك اختار أكثر الفقراء فقرا لكي يسمح لهم بالتهامه، حتى تخترق رائحته أجساد الجميع (وليس بالضرورة جسده)، كان يريد أن يتماهى في الآخرين وأن يكون في الجميع، أقاربه الفقراء.

Grenouille meets Laure


شريط قاحل جدا
الجزء الذي كان ينبغي أن يرتاح فيه المشاهد هو الذي جمع بن واشوا وداستن هوفمان الذي لم يكن رائعا كما ألفناه في باروكته المجعدة والبودرة المخملية والذي حال مغادرته الفيلم بانهيار بيته ومعمله في النهر، أصبح الشريط قاحلا جدا من الناحية الحسية التي بني الفيلم على أساسها. وحلت الفتاة ذات الشعر الأحمر التي كان رحيقها المكمل النهائي للعطر لورا (راشيل هيرد) في الفيلم كما رحلت عنه بلا أي تأثير كوالدها أنتوين ريشيز (الن ريكمان) الذي كان أداؤه الأقل تميزا وإقناعا. فكيف بالإمكان استيعاب ارتداء هذه الفتاة الارستقراطية ملابس الفلاحين والرقص في ساحة نوتردام دي باريس ومن ثم شجارها الوقح مع والدها وهروبها عبر أزقة المدينة الموحشة في الليل.

كيف تتحرك الكاميرا لتحول حاسة إلى صور بصرية خلابة الجمال ومجيدة الرعب وبارعة القسوة وشنيعة الذهول ووحشية الإتقان ؟

خيط الخلود
إن منحة العطر الذي صنعه غرنوي لمست بذروة الاتحاد الجنسي للجموع التي كانت قبل شمها العطر تهتف بتمزيقه، اتحاد العلاقة بان كخيط الخلود الذي تناظر بين الجنس والسماء والثقافة الدنيوية الشبقة، فيما أدى العطر وظيفته أن صير الجنس عنصرا مساعدا للاتحاد الروحي ـ العاطفي وكمنبع للذكريات الجميلة والحنين والسرور الصافي الذي جعل حتى آكلي لحوم البشر في خاتمة الفيلم والرواية فخورين لالتهامهم غرنوي، بابتسامتهم الفظة التي كانت تعني حسب زوسكيند أنهم لأول مرة في حياتهم فعلوا شيئا عن حب.هكذا تقدم جان باتسيتا غرنوي نحو المقصلة بين الحشود المتعطشة لدمه متسلحا بزجاجة عطره كالقائد الروماني في أنجيل لوقا في العهد الجديد ليجبرهم على الانحناء إليه في طقس أسطوري بعد أن قهرهم بالرهبة المطلقة التي امتلكها: مطر الأزهار الذي يذهب بالعاطفة إلى العاطفة والروح إلى الروح، هذا الذي قتل حتى التفنن في الانتقام الذي توعده ألن ريكمان بأنه سيشعر بأعلى درجات السعادة ما إن يسبح في دمه، غير أنه جثا على ركبتيه متوسلا معتبرا إياه ابنه. وبجزه عنق الانتقام وامتلاكه السلطة المطلقة التي تحرك الجموع وتجبرهم على السجود تحت قدميه، حقق رائحته، قصيدته المظفرة ولم يبق أمامه إلا الغور أكثر في أفئدة الفقراء: أهله، بعد أن عاش طوال حياته مثل لا أحد لافتقاده رائحته الخاصة وهو الشخص الخاص.. جدا، وبناء على هذه الخصوصية دفعهم لكي يلتهمونه سائرا بهداية السيد المسيح القائل في إنجيل لوقا: 'أولئك الذين يأكلون لحمي ويشربون دمي سيبقون في وأنا فيهم'.

Love in the Time of Cholera

فكرت هوليوود 22 سنة لتحول واحدة من اعظم اعمال القرن العشرين الادبية 'الحب في زمن الكوليرا' ذات ال 348 صفحة الى فيلم ب 138 دقيقة. وبعد ان اتخذ القرار، كانت مساهمات غابريل غارسيا ماركيز في الفيلم اقل ما يمكن، فالكاتب العظيم بلغ الثمانين عاما واكتفى باهداء المخرج مايكل نيويل نسخة من الرواية عليها بعض الملاحظات لا تتعدى بضع صفحات، لكن نيويل ادرك ان ماركيز كتب كل ما يريد قبل عشرين سنة في الرواية كما ادرك ايضا الفارق بين اخراج رواية هاري بوتر وعمل لماركيز. لكن ماركيز بذل جهدا استثنائيا لدى لقاءاته المتكررة مع الممثل خافيار بارديم لكي يساعده في تفهم حالة فلورينتينو اريثا وكيف استطاع حمل حبه طوال 51 سنة وفوق ذلك تاكيده له بعد كل هذه الاعوام. ومحنة بارديم كانت تواجه اي شخص يقرأ ماركيز، فهذا الكاتب تستطيع قراءته ولكن ما القدرة التي تملكها لتسمح لنفسك ان تصبح نسخة للتعبير عن اوصافه المعقدة وتستسلم لها بكل سرور.



روايات ماركيز في السينما
يذكر ان 'الحب في زمن الكوليرا' لم يكن الفيلم الاول الذي صور روايات ماركيز، فقد سبقه فيلم 'ارينديرا البريئة' الذي اخرجه البرازيلي راي جويرا في عام 1983 دون ان يؤثر النص السينمائي على الرؤى الباطنية للنص الروائي. وفي عام 1987 اخرج الايطالي فرانسيسكو روسي رواية 'قصة موت معلن' مثلها النجمان روبرت افيريت وارنيلا موتي، وكذلك حولت روايته 'ليس لدى الكولونيل من يكاتبه' الى شريط سينمائي عام 1999 بواسطة المخرج المكسيكي ارتورو ريبستين، بطولة فرناندو لوجان وسلمى حايك. بينما كانت رواية 'في ساعة نحس' آخر عمل روائي لماركيز يحول الى السينما عام 2004، اخرجه البرازيلي راي جويرا الذي كان قد اخرج له اولى رواياته. وكان ماركيز قد ساهم في كتابة العديد من سيناريوهات الافلام في فترات مختلفة من حياته.


الفريق الذهبي
ربح الفيلم كاتب سيناريو فريد الطراز هو رونالد هاروود الحائز جائزة الاوسكار عن فيلمه 'عازف البيانو' الذي درس كل تفاصيل القرية الكولومبية الصغيرة كارتاغينا وميناء برات اللذين جرت فيهما اغلب مشاهد الفيلم كعملية اختراع العالم الذي حدثت فيه الرواية. وحسب تصريحات المخرج مايكل نيويل فانه قد عانى كثيرا في مسالة اختيار الشخصيتين الرئيسيتين، وكان يريد لدور فلورينتينو اريثا شخصا يمكنه ان يكون شابا بعمر 15 سنة ويشيخ باقناع لغاية 75 عاما مع امتلاك الملامح والنظرة الكلاسيكية الغامضة، ولم يعثر على افضل من النجم الاسباني الكبير خافيار بارديم الذي تدفق عطاؤه المدهش في فيلم 'اشباح غويا' وتطلب منه فقدان 16 كيلوغراما ليقترب من نحول اريثا. وتطلب لدور فيرمينا داثا امريكية لاتينية سوداء العين فوجد بعد بحث الممثلة الايطالية جيفانا ميزغيرونو وكانت سنواتها ال 33 تسمح لها بلعب دور الفتاة والعجوز. وهناك ممثلون آخرون من كولومبيا والبرازيل والولايات المتحدة.
سيناريو متكيف
يبقى عمل سيناريو هاروود متكيفا مع احداث الرواية، راسما صورة الدكتور خوفينال اربينو (بنجامين برات) ورفعته منذ المشاهد الاولى وهو يطمئن عروسه العذراء فيرمينا داثا (جيفانا ميزغيرونو)، مانحا بذلك درسا في العشق، وبالطريقة نفسها تم تقديم الولهان فلورينتينو اريثا (خافيار بارديم) الذي يملك قدرة على فهم اللحظة والتعامل معها بدقة، كمراهق وشاب ورجل اختار الانصياع للغزو الجنسي لاسكات قلبه المقهور، ومن ثم عجوز ذابل مؤمن بانه سينتصر مهما امتدت به الحياة وسيظفر بهدفه مهما طالت، كادعاء دانتي في ان يلهم حياته الكاملة لبيتريس ضابطا شوقه ومعاناته لغاية الانتقال نحو الانتصار في الخاتمة. ويبدو ان معضلة السيناريو كانت رغبته في عرض كل شيء في الرواية وعدم حذف الاجزاء التي احبها القراء في الرواية، خصوصا الهيام الجنسي الذي وقع به فرناندينو اريثا بعد هزيمة حبه وبحثه المستمر عن الحب مع 622 امرأة، ضاربا الرقم القياسي لكازانوفا عدة مرات كمحاولة لان يحبها من خلال اجساد نساء اخريات، الامر الذي صعب من مهمة مايكل نيويل حيث تطلب منه المزيد من الجهد والاماكن والشخوص والاموال، والاهم في ما واجهه السيناريو حتمية التفريق ما بين الجنس العادي الذي كان يمارسه اريثا على الدوام والحب الكبير الذي احتفظ به داخل قلبه والعاطفة الكبيرة التي جعلته يذعن للحب من حبيبة رفضت الشاعر الفقير واختارت الطبيب الثري، كالاسئلة التي حيرت ميشيل فوكو لمعرفة الحب الحقيقي، من ينبغي حبه، وباي شروط وما هو الحب في كينونته ذاتها؟ وحتى في البناء الافلاطوني وطرق التذكير التي يجيب بها اكزنوفون: التقابل بين الحب الذي لا يسعى الى متعة والحب الذي يهتم بالمحبوب نفسه وضرورة تحويل العابر الى صداقة متساوية، متبادلة ودائمة، ووضع حد فاصل بين حب النفس وحب الجسد الذي يحتقره في ذاته. ان مخطوطة هاروود حملت الكثير من الاجزاء البارزة لحوارات ماركيز وبغض النظر عن ورودها في السياق، الا ان الرواية يقرأها المثقفون والفيلم يشاهده العامة، ويبدو ان كاتب السيناريو مال الى جهة انصار ماركيز الذين لا يحبذون التهاون مع اجزاء مؤلفهم وروايته التي استمرت لسنوات الاكثر مبيعا في العالم. كما ان السينما تنتزع القصة من دون لغتها، كمن يقدم الغبار والعظام ويهمل القلب، وماركيز الذي شاع اسلوب اميركا اللاتينية الاستثنائي في الواقعية السحرية وبفضله اصبح شعبيا يتميز بان نثره يلعب على التناقضات الذي يعتبر افضل من يسخر منها في تاريخ الادب واحيانا لا نجد واقعية، سحرا فحسب يستطيع اقناعنا باهمية حدوثه، لذلك فان خيال ماركيز الواسع كان خرسانة الفيلم التي وقف عليها بثبات.


ثمار الإخراج
لقد افتتح نيويل الفيلم ليس كما افتتح ماركيز الرواية، وفضل المخرج الدخول مباشرة مع سقوط الدكتور خوفينال اربينو من السلم كاعلان موت الحب غير المتبادل مع فيرمينا داثا ومواجهة عذاب الذاكرة وتجريدها من حلوها ومرها، وكشف المصير لشيخوخة تكفيها زلة واحدة نحو الموت محيلا ايانا الى ذكريات افلام عميقة منحتنا اللغة نفسها، قدمها فيسكونتي وامبيرتو سول، حكايات الحب المحظور والفاشل، الحب المنكوب بلا ارادة احد، ذلك الحب الوقور الذي طالما مني بالخيبة. ولم يجهد المخرج نفسه في تصوير الحروب المتنوعة والاوبئة والاشخاص الثانويين في الرواية، ولن يحظى المشاهد بمؤثرات بصرية ولا موسيقى محفزة، رغم ان عمل انطونيو بينتو كان مؤثرا جدا في المشاهد الضرورية، ويعد هذا اسلوب نيويل الذي يتبنى سينما الخط الجديد: النهر المهيب الذي تودع فيه ثروات الثقافة الكولومبية، الديكور، الجنس، المرح، صوت شاكيرا الحيوي الذي يرافق الموسيقى التصويرية. ويمكن الادعاء بان الشريط فارغ من جماليات الفن السينمائي الرائج ومن الواضح ان مايكل نيويل لم يبارح الكاميرا طيلة فترة التصوير.
فيلم العوائق والمسافات
ان 'الحب في زمن الكوليرا' يعتبر فيلم العوائق والمسافات، فماركيز كتب الرواية بالاسباني والفيلم قدم سيناريو معتمدا على الترجمة الانكليزية وقدم بهذه اللغة ايضا وما بين الرواية والسينما من عوائق تضاف المسافات ما بين لغة واخرى، ناهيك عن ان مايكل نيويل بريطاني وليست لديه تجارب ولم ينغمس في الحياة الكاريبية، حيث تقع احداث الرواية. اضف الى ذلك ان الرواية تتحدث عن فترة تتجاوز الخمسين عاما بما يتطلب ذلك من تغيير في كل شيء: المدينة، الملابس، السيارات، السفن، اعمار الممثلين، كل شيء ينبغي ان يتطور كما في الحياة، وجرت العادة في السينما ان تحذف المشاهد التي تكلف الانتاج كثيرا او تؤذي الشكل الفني في حالة عدم تحقيقها، فالسينما تغض النظر عما يحرجها، لذلك لابد ان ترزح للديكور والرسم والمؤثرات الاخرى والعمل المقرف في الاستديو. (هذا لا يعني ان الانتاج بادارة سكوت ستيندورف كان يبخل على العمل فقد اهدر عليه 50 مليون دولار). ورغم ذلك نجح نيويل في ما هو اهم، انه منح الرؤية واللمسة الحادة واضاء نظرة المشاهد واخترع له اللمعان في يوم لم تشرق فيه الشمس.

صورة 'فلورينتينو ـ بارديم '
لفلورينتينو روح شاعر وهذه امسك بها المخرج نيويل والممثل المبدع خافيار بارديم الذي تمت مساعدته بشكل كامل من فريق الفيلم برمته فقد كانت الكاميرا تخدمه وكذلك فعلت المؤثرات والصوت وكان في اغلب اوقات الشريط على مرمى البصر كقلبه المعلق بتأرجحه العاطفي بين النساء وتوفيقه مع الكوميديا الصعبة والمرح الماكر الذي يبدأ به فتوحاته الغرامية عادة. ان تجسيد مثل هذه الشخصية يحتاج الى بصيرة وذكاء وقدرة واستعداد وسحر وتلبية متطلبات السينما ايضا ولعلها كانت مهمة مستحيلة، لذلك كان ماركيز يجتمع مع بارديم اكثر من الوقت الذي قضاه مع المخرج نيويل، فالكاتب الكبير ادرك ان مفتاح تفوق الفيلم يكمن في صورة فلورينتينو اريثا وكان عليه ان يحمل المهانة والفشل وفقدان حب كان في متناول اشعاره ومن ثم اتصاله الطويل المدى مع نساء كن يداوين غرامه المرجو منذ امد طويل.لذلك بدأ فلورينتينو كعازب محترف غريب الاطوار في الرواية وكان يضلل نفسه كثيرا، ويبخر رغبته باستخدام نساء مختلفات كوكيلات لحبه الضائع ولو برز في عصرنا شخص مثله لتهاوى عليه الاطباء النفسانيون وسيكون مصنفا من الصحافة وشرطة المدينة كمهووس رسمي نصفه تهيمن عليه علاقة حب والنصف الآخر مازوشي تجدر مراقبته. يقول فلورينتينو في واحد من حواراته بانه 'لا شيء اكثر صعوبة من الحب'، ولهذا يقترح الفيلم حججا مضادة، وبهذا المعنى يمكننا استخدام اسلوب ماركيز في الدعابة وتحويل الجملة كالتالي: لا شيء اكثر صعوبة من تحويل الحب في الروايات الى الشاشة، وهذا ما كان يؤرق خبراء هوليوود لنحو 22 عاما. لا احد ممن كانوا ينتظرون ظهور الرواية على الشاشة استطاع الاستعجال، كمصير فلورينتينو نفسه الذي انتظر 51 سنة، لكن الحب جاء في زمن الكوليرا، كما جاء الشريط في زمان لا احد يمكنه تصديق حكاية التجريد الرومانسي والاحباط الذي يتحول بعد صبر طويل الى انتصار، ان الجمهور المعاصر قد يسخر من هكذا حكايات او يقابلها ببرود وباحسن الاحوال بدهشة غير المصدق. اي من سكان الكوكب الحاليين بمستطاعه صرف نصف قرن على قراءة الشعر الرومانسي واغواء النساء بحثا عن سيدته العظيمة، الا يبدو الامر مملا للجمهور المعاصر؟ نعتقد ان هذا سر اجتماعات ماركيز الطويلة مع بارديم، لكون فلورينتينو امتلك مفتاح نجاح الفيلم او سقوطه، وبدون تردد حقق خافيار بارديم فوزا مذهلا لا يقل شأنا عن الانتصار الخرافي لفلورينتينو، فقد امتلك الممثل والشخصية التي لعبها العنصران الرئيسيان للظفر: التحدي والامل!