الجمعة، 4 أبريل، 2014

صخرة جمال حسين ..!




بقلم: حسين عبد الزهرة مجيد

هذا المساء, انطلقت القطة كالسهم, واقتنصت حمامةً بيضاء تائهة. أسرعتُ, لكن سيفها سبق العذل. خيط رفيع تسرب من منقارها الوردي. كانت في يدي مندر طفل صغير من القطن. قلتُ كنا نفترش الصبابة الإسمنتية, النهر الصناعي أمامنا يزكم الأنوف. جاء أحدهم يوماً بكتاب جديد, القبلة في الشعر العربي! ما لنا وللقبل, والشفاهُ جروحٌ. كانت "الوجودية مذهب إنساني". أنجزنا معاملة البعثة ونحن في حديد التويوتا. نسمكر أيضاً. نحن العجلاتية, نحب دورة الأفلاك. كنتَ مرة في المرسيدس الرئاسية, ومرة أراك معلقاً في باص الأمانة الأحمر. إنها بغداد الفاسدة, لكنها لم تزل مدورة. اقتنصتَ وزير التعليم العالي اقتناص الحمامة هذا المساء. قال, وما هذا الدليل "الدامغ"! ابتسم رجل النور, ودعاك إليه. تركنا "الحب في زمن الكوليرا" خلفنا. سرتُ جنوباً حتى حططتُ على لحية طاغور الملظومة بالزمرد, وأنتَ إلى صحراء التتار لترى دينو بوزاتي, وتطوفان معاً على رسول حمزاتوف. رأيتُ قميصها مرصعاً بحبات العرق. قالت, ماذا تفعل؟ قلتُ أخربش! وخربشتُ, من جون كيتس إلى جيمس جويس.

كنتَ أشجع مني. أغوتك قندهار, فسرت معهم. أصوليون, حداثويون. كل الأبناء حداثويون. كانت الأسطوانة مشروخة. نحن العراقيين! هم هناك يطلبون الحداثة الصحيحة. لا يحبون اللغو كثيراً. وحينما وجد الأخوة أن الكلام غير مجدٍ, صاروا يبيعون الثلج في بلاده. أما أنتَ, فسرت من بلادك داغستان, حتى حاورت الأموات, فأظهرت لنا عملاً خالداً لم ينظر إليه أحد حتى اليوم: "أموات بغداد"! ألم أقل لك إنهم كانوا يبيعون الثلج في بلاد الثلج.

أنظرُ إلى صورتها الآن, وما زالت الشفاه جرحاً على الوسادة, كلَّ الليل. اقتنصت الحية العصفورة, وما زال الفارسُ يردد: إلاّ أنتِ, يا حلمي!

بالأمس وجد أحدهم في أوريغون صخرةً على قارعة الطريق, قال الجيولوجيون إن عمرها أربعة بلايين, ونصف البليون سنة! ياه..! عثر الأريغوني على صخرته, وما زالت مخداتنا تسيل دماً, كل ليلة.
الرحلةُ, إنتهت!

 

الثلاثاء، 1 أبريل، 2014

رواية: أموات بغداد - شعـريــة الـمـــوت - فنتازيات بغداد



محمد خضير

يروي جمال حسين علي في روايته (أموات بغداد، دار الفارابي 2008) سيرة رجل خارق متخصص في "علوم احتمالات الحدود الفاصلة بين اليقظة والحلم" وشملت بحوثه تعديلاً جينياً لخصائص الفرد والجماعات العرقية، وتنبؤاً بمستقبلهما البيولوجي والإجتماعي. اكتسب الرجل (حجب الروائي اسمه) معرفته هذه من صداقة الموتى في المشرحة خلال دراسته الطب في موسكو، إضافة إلى دراسة الفيزياء والرياضيات، واستكملها بعد هربه من روسيا ودخوله العراق مع دخول قوات الاحتلال إلى بغداد في نيسان 2003.
تتجلى معرفة الرجل الخارق بأنطولوجيا الموتى، بكثرة التنصيصات التي افتُتحت بها فصول الرواية (المؤلفة من ثمانية كتب و508 صفحات) وشُكّل منها الغطاء الشعري للغة الموتى المسطرة على صدورهم كلوح (ويجا) الأسطوري. أحس جمال حسين بوجوب هذا التنافذ النصي فاختار ستراتيجاً بنائياً يطوف حول مئات المدونات ويأخذ من نصوص الأولين والآخرين ما يدعم موضوعته عن "حقيقة الإنسان" في أرقى أشكالها وأعمق دلالاتها وأبعد احتمالاتها. إذ ليس بمكنة مؤلف معاصر أن يخوض هذا المخاض العسير ما لم يفترض مروره بأراضي جلجامش والمعري ودانتي وعشرات المنصصين المعاصرين، ويعتبِر بشعرية الموت التي تجلت في مدوناتهم العظيمة. 


تعتمد سيرة الرجل الخارق على فرضيتين خياليتين، استنتجهما جمال حسين من "الخلل المزمن في الآلية التي حدث فيها التغيير في العراق". الفرضية الأولى تفيد أن "المجتمع العراقي قد أطاح به تليّف، وأن قوى خارقة تلعب النرد بجيناته المنفلتة من مخبئها بما يعني إمكانية حدوث شيء غير متوقع ومؤذ في أية لحظة" (ص406) وعليه فإن الفرضية الثانية تشير إلى ضرورة تحديد "الجينات الشريرة أو القاتلة" وإطلاق "الجين الواشي" أو "الجين الكابح" لكشفها ووقفها. ولقد توفرت للرجل الطبيب البنية المناسبة في مجمع الطب العدلي في بغداد لبدء العمل على "برمجة الحياة لتحضير جديد للخميرة التي تُعدّ عجينة البلاد" (ص407) وتحقيق "إنسان كلّي سليم" شبيه بآدم الكوني المركب من كيمياء الحواس والأعضاء والأماكن. (ص408)


تبدو فرضيتا الرجل الخارق من نوع الأحلام الروائية التي استنسلها كتّاب روايات الخيال العلمي الأوائل (ماري شللي وويلز وفيرن وألدوس هكسلي) وحققها مهندسو الجينوم البشري اللاحقون في مختبراتهم السرية. ثم أتبعهم جمال حسين فدسّ اختراعه العلمي في حلم بغداد، بعد طواف طويل حول مدونات الموت التي أنتجتها المخيلة المثيولوجية. فإن لم تكن ناجحة عملية تهجين الجينات الشريرة بالجينات الطيبة، ومحاولة تركيب جسد خارق من أعضاء الجثث المقطعة، فقد يُنتج العمل التخليقي الخيالي نسخة من "حصان طروادة" تمكن جمال حسين من إدخاله على رواية التغيير في العراق.
إن السؤال السابق لأية مفارقة خيالية في الرواية هو: كم يتحمل قارئ (أموات بغداد) كي يتأقلم مع "رهاب الموت" الذي تحتويه كتبها الثمانية، وكم عليه أن يدقق في فرضياتها العجيبة لكي يعتبر معرفته بمحتواها علماً وحدساً وفناً؟ وفوق هذا وذاك كم يحلق فوق مدينته حتى يقارب أطروحتها العلمية الأساسية ويقارنها بأطاريح "المصير الإنساني" في روايات المدن الكبرى التي حاصرها الموت والوباء والرعب قبلها؟
كم يتحمل قارئ إعتيادي من ضغط السؤال (أو الأسئلة) التي تثيرها خوارق الرواية، إذا تصورنا دهشته إزاء موسوعة عقل طبي تشريحي مولع بقصص الموت وموديلاتها الشمعية؟ أما القارئ الفعال (فائق الخيال) فأغلب الظن أنه سينسب الأطروحة الأركيولوجية (وقريناتها من فنتازيات المشرحة البغدادية) إلى النمط الأصلي لقصص الرعب في العصور الوسطى، ويفسر عودتها إلى موقع السرد الراهن على أنه رغبة سايكولوجية لترميز الواقع البشع ومحاكاة تمثيلية لطرد أشباحه المحتلة. 


يؤشر القارئ الممتحن هذه الأسئلة، حالما ينتهي من تحديد موضوعة الرواية الرئيسة، وما اختزنته من قصص فرعية بعثرها المخطط السردي في طريقه. ولعل المفارقة الأشد إثارة تلك التي تقدمها الصفحات الافتتاحية بصيغة قصيدة نثرية تجمع بين شعرية العالم الفيزياوي وتشريحية الشاعر السردي، وتشير إلى مجهولية السارد الحقيقي لبقية الفصول. ولنتأمل هذه العبارة من المقدمة: "إن سحابة الأسى في صدور الأموات لا مناص من حرثها بتآلف ما اجترت الحياة من زغب الأولين كشرخ الكون الذي درس فيه صبيانية المجرة حين تندفع في الفضاء بفم منصهر" (ص11). وعند كشف الغموض عن هذه العبارة بمجاورة "سحابة الأسى" مع "شرخ الكون" و"زغب الأولين" مع "صبيانية المجرة" فإن المخطط السردي لفنتازيا الأموات سيتداعى بأكمله، ذلك لأنه خلط مجاز الشعر بحقيقة العلم وغطى مشرحة الموتى "بسحابة الأسى". أما ساردها المزدوج فهو ليس أكثر من "قاطع تذاكر الموتى" في زورق يتهادى على دجلة دونما ربان. 


دأب الرجل العائد على تدوين "ذكريات المستقبل" في دفتر الماضي المبعثر بين الوطن والغربة، ببلاغة الإحساس المستوطن في مجمع الجثث القادمة إلى مدينة الطب كل يوم بالعشرات. وبذلك اختلفت بلاغة سيرة العائد المقشعرة عن بلاغة السيرة المهاجرة بعيداً عن أرض الموتى. وبعبارة فإن سيرة الأموات قد احتلت خطاب الوطن بما ابتعثته من قصص الرعب وتنصيصات الخيال النيكروفيلي والتقديس الفيتشي للأعضاء الجنسية، مقابل التدفق الشعري الإلهامي الصافي لخطاب الذات المهاجرة التي تخلصت من دفاتر الماضي.
تمسك الرواية بموضوعتها الرئيسة عندما يطوي الرجل الكتب الخمسة الأولى، ويخصص الكتب الثلاثة الأخيرة لفكرته عن الإنسان المنشود وراء عملية البحث العلمية المضنية والعجيبة. سنعود لنسلسل حوادث السيرة العلمية والحياتية للرجل، منذ خروجه من العراق ودراسته في موسكو ووفاة حبيبته الروسية وعلاقته بامرأة أخرى تعمل في جهاز الاستخبارات لكنها تساعده على الهرب إلى سورية، ثم دخوله العراق عبر كردستان خلال الأيام الأولى للإحتلال، واقتفاء أثر عائلته في البصرة وبغداد، والتحاقه بفريق دولي جاء إلى العراق لتحديد مواقع المقابر الجماعية، حتى انتهى به المطاف للإقامة في مشرحة الطب العدلي، فيثير عمله هنا مفارقة أخرى. أقنع الرجل مدير المشرحة باستخدامه وإيوائه واستغل صلته السابقة بوزير الصحة فشارك المدير إدارة شؤون الجثث بعد الاعتراف بهويته الطبية. كانت وظيفة الرجل الخارق استقبال رسائل الموتى الملغزة، وأصبح دوره الآن انتظار المحاضرة الختامية التي سيعلن فيها عن صياغة الجسد الإنساني الكامل من فرضيات تشريحية وتنصيصات ميثولوجية وخرائط جيومية خيالية. 


استقرت حياة الرجل وانتقل للسكن في شقة بالكرادة وفرتها له وزارة الصحة، وأصبحت خطته المستندة إلى قانون أبقراط: "اكشف الماضي، شخص الحاضر، تنبأ بالمستقبل" ملك يمينه وتحت إشرافه المباشر على المشرحة. اقتربت أطروحته التشريحية من هدفها الأخلاقي العام لتنحصر في "إدراك الخطأ والصواب والقدرة على التحكم". ومن ناحية أخرى كان استنساخ نظام تأملي خالص شبيه بنظام الجينوم، قد قربه من أسلوبه السردي المزدوج بين شعرية العالِم وتشريحية الأديب الخيالي.
وبما تبقى من الكتب الثلاثة الأخيرة، وفرت أطروحات (أموات بغداد) العلمية والميثولوجية قاعدة بيانات واسعة لمخططات سردية فنتازية مستقبلية، لكن "الحل البيولوجي" الذي اقترحته الرواية لمواجهة الخلل الكبير في "المقاييس السياسية" الناشئة بعد الاحتلال، ربما كان أقل من توقعات قارئ يطلب تفسيراً غير خيالي لألغاز المشرحة القائمة في قلب المدينة التواق للحياة والنور. كانت بلاغة استشعار الموت التي انطوى عليها التشريح الخيالي لمدينة الموتى عالية التوتر وبالغة الطول، إلا أنها لم تكشف إلا مقداراً ضئيلاً من موضوعات "الحقيقة الإنسانية" و"التخاذل التاريخي" و"برمجة المستقبل" في عراق اليوم. 

جريدة الصباح
http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=56469