الخميس، 3 ديسمبر، 2009

مجلة "الآداب" عدد 11 ديسمبر 2009


من الحكمة أن يطلقَ على رواية "أموات بغداد" للعراقي جمال حسين علي روايةَ تجريبيّةً. فهى تطرح فكرةً لا يمْكن أن نعرفَ النتائج التي يمكن أن تفضي إليها.
يعود العالِمُ العراقيّ (الذي لا يذكر اسمُه) من موسكو إلى بغداد بعد سقوطها ليبحث عن والديه. وفي رحلة البحث يتطوّر الأمرُ بشكلٍ مذهل: فالمذابح طالت كلَّ شبر في العراق، وبدأ الكشفُ عن المقابر الجماعيّة. يعمل العالِم "دفّانًا متطوّعًا،" وفي أثناء رحلة العمل يفنّد العظامَ، ويرصد الكيفيّة التي مات أو قُتل بها هؤلاء الأشخاص. ا
لعالِم العراقيّ يندمج تمامًا في عمله، راصدًا جغرافيا الموت، ومُظهرًا الوحشيّة العشوائيّة التي عومل بها العراقيون. وبعد بحث مضنٍ يتوصل العالِمُ إلى ضرورة تخليق إنسانٍ عراقيّ جديدٍ بهدف الارتقاء بالأحياء. وهو ما يطرح إشكاليّة الصراع بين العلم والثقافة: أيّهما له فعاليّة في مداواة الأمراض؟
لقد كان الكاتب محقّاً عندما صدّر روايته بمقولة من ملحمة جلجامش: "أنا سأفضح ما هو مخبّأ." وأفضى بحثُه إلى الكشف عن الأمراض المتوطّنة في العقليّة العربيّة. لكنه غامر في طرح محاولة إعادة الخلق: فهذه لا يمكن التعاملُ معها إلا بوصفها فكرة تجريبيّة تحمل الكثيرَ من الرمزيّة المبطنة وتؤكد أهميّة كلّ جزءٍ في تاريخ الحضارة الآشوريّة.

شيرين أو النجا

القاهرة

*ناقدة وروائيّة مصريّة

http://www.adabmag.com/node/267

الأمهات

الأمهات
حتى وهنّ في الموت
يسرن إلى الأمام.

إذا كان للمرء
أم واحدة
فلماذا لم يحمل اسمها؟

في الليالي الباردة
تكاد أيدي الأمهات
تشتعل
بالدفء.

لماذا لا تكف الأمهات عن الدعوات
رغم معرفتهن أنها غير مستجابة؟

لا توجد أم تـُغرى
بالبطولة
طالما انتهت الحرب
وبشروها بالبحث عن رفات الشهداء.

لنلمّ أشلائها
ونمسح الرماد عن وجهها
كي تتعرف عليها أمها.

كم هو أمر جلل
يدفع أم أن تقول لأبنها:
كان من الأفضل لك ألا تولد.

الأمهات في دول الجنرالات
يلدن لحساب وزارات الدفاع
منذ الطلق يدركن
أنهن ينجبنّ
لكي يفقدن أبناءهن.

ارتدت أجمل ما لديها
سرّحت شعرها المخبأ
مذ ولادته
تقدمت جنازته
الموسيقى التي أحبها
قررت الأم
أن تودع ابنها
بالرقص.

الأمهات
لا يطلبن أن نكون معهن
ونلازم أسرتهنّ
أوقات الاحتضار
ولكونهنّ لا يرغبن أن نطلع
على ما يزيد أحزاننا بعض الشيء.

هنالك أبناء
كتب عليهم
وهم في الموت
يعيلون أمهاتهم.

لا يفكرن
حينما يخترق دخان التنور
ولا حين ترقيع الملابس بالعتمة
بأعينهنّ
بل في قلوبهنّ.

لا يجزعن
لو ولدن طفلا أنانيّ
لأنهنّ يشعرن أن القادم
سيكون المضحّي.

الأم التي تخبئ دوما
الأكواب والملاعق، القدور والستائر
الأطقم والأطباق
إنما تفكر أيضا
بمصير الأجيال القادمة.

صدى أصوات
الأمهات
حتى الزمن
لم يستطع اسكاته.

ما كان يخيفني
ليس موتك
بل لعلها السنين
التي ستبعدنا
وتجعل حبي لك يقلّ.

لو كان رأسك مسجّى
في ربيعك الأعلى
بعيدا ،،
كما يقولون
فمن أين يأتيني صوتك الضالع
الوحيد الذي اسمعه؟

رغم تعليمي ونظرياتي وكتبي
إلا أنني ضعيف أمام سحرك
ولأني لم أحمل أساطيرك
وأحلامك الطيفية
ورذاذ غيمتك المشتتة
ولأني وهذا الأهم
لم أجعلك جزءا مني.

أكثر ما يحزنني يا أمي
ليس لأني لم أجلس إلى جانبك
في السرير لحظة موتك
بل لاعتقادي بأني
لم أعبدك بما فيه الكفاية.

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

عراق مجانا

لماذا كل هذا الحنق على النواب

فما هم إلا أيدي عاملة

تتقاضى الثمن

من الشركات الكبرى

مثلكم جميعا.



كم تأسفَ ذلك الملحد

كونه لم يفتعل البكاء

مرة في الأسبوع

في حسينيات لندن ودمشق

لكان الآن عضواً في البرلمان.



الخراف تغض النظر عن

كسل الرعاة

فلديها طرقها الخاصة في إيجاد العشب

لكن من يستطيع تخمين ردة فعلها

لو شكــّت بالراعي.



كل هذا الهرج

كون ذاك النائب

يحاول منذ افتتاح الجلسة

الإثبات

بأنه أقل سفالة

من الآخرين.



الدستور الوحيد

الذي يمكن أن أشارك

في الاستفتاء عليه

يتكون من جملة واحدة

"لا تفعل ما يؤذي شعبك".

نصف قرن تمتهنون السياسة

أرقتم دماء نصف شباب البلاد

لكي تضعوا خصومكم بحرج دائم

وحتى الآن تتجادلون

في تسمية الأعداء.



حتى لو نفدت لديكم الأفكار

يمكن أن تقذفوا الناس

بوابل من الطائفيات.



بعد مضي آلاف الأيام

أدركت أن مشكلتنا جميعا

محاولاتنا المستميتة

لتحويل الحرية الزائدة

إلى حرية.



كنا نطيب من كل الأوجاع

بالتهامنا حبة واحدة

من "عراق مجانا"

أما الآن

فلا يشفينا

حتى باستور

لو خرج من قبره.



ـ هو ذا مصدر فتاواكم؟

ـ أجل .. أنه حكيم للغاية.

ـ أتقول حكيم.. تقصد يحكّ كثيرا؟



هذا الرجل الجالس على المنبر

لم يتوقف عن البكاء منذ ربع قرن

من أوهمه

بأن الله

مغرم بالدموع؟



الأخوة التافهون

مدمنو التسول ومحبو الانتقام

التموا باسم العدالة

ليعلنوا استقلال جمهورياتهم الصغيرة

مستبدلين القمع بالقمع

وسن قوانين أعطتهم الحق

أن يأخذوا كل شيء.



أجلس على المنبر

وتكلم

سيصدقون كل كلمة تقولها

لا يوجد أسهل منها مهنة:

إطلاق الكلمات.



ألم تجد غير هذه المدينة

كي تتظاهر فيها بالجنون

أنهم يسرّحون المجانين في الشوارع

ترشيدا للانفاق العام

وكي يغتصبونهم

كلما اقتضت الحاجة.



أخيرا صرح وزير العدل

سيتم إغلاق سجن "بوكا" الأميركي

فشركات الأعمام أنهت

بناء عدد كاف من السجون

النموذجية

كم أبهجنا هذا العادل

بهذه البشرى.



غضبي عليكم

ليس لأنكم قبلتم بالسقوط

بل لأنكم تنافستم في اختيار

اسوأ التبريرات له.



لا تنهمكوا في التبريرات

كل جيش غاز

متوحش

وغاصب

حتى لو أرضعتنا مجنداته

من نهودهن مباشرة.



أحيي محاكمات مجرمي الحرب

أهنئ اليهود على مطاردتهم

للنازيين والفاشيين

ولأني أمقت "المعايير المزدوجة"

أدعو الجيل القادم

لطرد النوم

عن كل وغد

ولو في "حالة سكر"

فكر

في إيذاء عراقي.



ليس القبر ملاذ العراقي النهائي

ففي أي لحظة

سيسحبون منه هذا الحق

ليتنقل الى قبور أخرى

وفق ما تقتضيه المصلحة العامة.



أيتها الأمة

بدلا من تصدير المنتحرين لنا

امنحينا

ملكا سويـّا

ولو لموسم واحد من باب الإعارة.



ما جعلكم دمى

يحرككم من هبّ ودبّ

أنكم أحرقتم المخطوطات

وضيعتم على البلاد

أسرارها.



كم هو أخرق نقاشكم

عن مصدر العاصفة

تناخوا لإنقاذ ما تبقى

بدلا من هدر الوقت

بالبحث عن المسميات.



ما أهمية وجود نصف الحكومة

لتوقيع عقد مع شركة موبايل

هل توهموا في الدعوة

أم هي خصال الفزعة

على قدر هريس؟



عائدات النفط

تمكنكم من استيراد أي شيء

ولكن أخبروني

كيف لكم إعادة اعمار

ذاكرة البلاد؟



كنا نسمع مصطلحات تقليدية

عن تقاسم الكعكة

ونشاهد تنافس الفئران على الجبن

في الرسوم المتحركة

لكنكم أخرجتم الأولى

ومثلتم الثانية

بفيلم روائي طويل.



بينما ينشغل الناس

بعد كل حريق

في دفن موتاهم

سيظهر بركان خطابي

للميالين إلى الفصاحة

وشرح الدساتير.



هل يعقل أن ألفّ البلاد

خمس سنوات بنهارها وليلها

ومن شمالها حتى جنوبها

ولا أرى طفلا

يطيـّر

طائرته الورقية؟



كلما حلت بنا جمهورية

أول نصائحها

انتظروا

ها نحن في الانتظار

حتى بزغ من جلودنا

الريش.



الفارق بينهما

في العهد الملكي

كانوا ينظفون المقابر

في الجمهوري

يملأونها.



كلما يستلم أحدهم السلطة

لابد وأن يخصص جزء من الميزانية

ليعيد كتابة التاريخ.



بإرادتكم نزلتم إلى المستنقع

وتريدون أن تخرجوا منه

نظيفين؟



خروج الدبابات من المدن

إلى قواعد لا تراها العين المجردة

لا يغير شيئا من عفـّة البلاد

فالأمر مجرد

تبديل لوضع المضاجعة.



أنها أشرف من تبقى

في البلاد

تلك العاهرة

فهي الوحيدة لم تفتح فخذيها

للغزاة.



لم يؤجلوا تعداد السكان العقد تلو الآخر

لأسباب طائفية أو شوفينية

بل لعدم وجود حاسبات

تحصي العائلات

التي تضاءلت

حتى اختفت.



لا أعرف سرّ حكومتنا

فقوانينها جيدة

ولكن بسببها

بعنا حتى قمصاننا.



قبل أن تملأوا الفراغ

في القصر الرئاسي

املأوه

ما بين العرش

والناس.



أذبحوا المزيد منهم الآن

وسيكون لدينا متسعا من الوقت

لسنّ القوانين

التي تحرّم ذلك.



هكذا السياسيون دوما

يعيشون على عار الآخرين

ويظنون

أننا نهوى

نبرة أصواتهم

ولا خيار لنا

سوى أن نتبعهم.



لا تهمني قراراتكم

فهي جهد مفرط

يدفعني للضحك

ما أفكر فيه

هذا الشعب

الذي يأخذها

على محمل الجد.



الرئاسات الثلاث

وكل الأحزاب

ومعظم الفضائيات

يتحدثون كثيرا حول المشكلة

ونادرا ما عنها.



أول خطوة يجب أن تقوموا بها

لكي يحترمكم الناس

نسيان الحديث عن الثورة

والتفرغ

لتنظيف الأنهار.



الثورة التي تتبجحون

أنكم قمتم بها

نفذها كل بيت

لكنكم تقدمت صفوف الكراسي

لانشغال الرب ّ

بإحصاء قتلى

حروبكم الصغيرة.



ما السرّ

الذي يجعل وزراءكم

يهربون

مع كل ما عثروا عليه

في أول مفرزة تفتيش؟



لا تظللونا مجددا

الغزاة لم يضرموا النار

أنتم الذي فعلها

في بيتي

.........

يا أهلي.