الخميس، 26 مارس، 2009

زمان رسول حمزاتوف


منذ تعارفنا الأول نهاية الثمانينات في موسكو، وزياراتي له في العاصمة الداغستانية "محج قلعة" بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وخروجه من مجلس السوفيت الأعلى واستقراره هناك، كنت أحمل ذات الهمّ الذي حمله في أن يكتب الجزء الثالث لـ "داغستان بلدي" وأترجم بدوري الجزء الثاني.
في البداية أهداني النسخة الأولى باللغة الافارية ( يكتب في هذه اللغة دائما) ومن ثم أهداني النسخة المترجمة إلى الروسية، ووقتها أدركت أنه يحملني هذه المسؤولية.

Dagestan, 1998

وبين جلسات عائلية وأخرى مختلطة مع ضيوفه المختلفين وحكايات منفردة، أظن أني كنت "رفيقه" الأخير بعد رحيل زوجته فاطمة وانشغال ابنته الكبرى وحالة التوتر في القفقاس، التي اضطرته لزيارة شقته الموسكوفية كثيرا.
هنا استرجاع لأول حوار نشرته مع رسول حمزاتوف عام 1999 والذي أفرحه كثيرا لارتباطه العميق بالشرق ، أضعه في هذا الحيز، كفأل طيب لأحد المبدعين الكبار في القرن العشرين، وكتحية للصديق والرفيق الذي توجه قبلنا إلى المسار الخالد.

Rasul Gamzatov- moscow -2000


* حاليا ولغاية توفر ظروف افضل، سأنشر الحوار كصورة، ويكفي الضغط عليها للإطلاع عليه على نحو أوضح. وأرجو المعذرة على الكسل الضروري.

الأربعاء، 25 مارس، 2009

الشاعر الأول والأخير

Arthur Rimbaud

ماذا يعني أن ينصرف مثقف وأكاديمي الى متابعة كل ما ينشر عن شاعر في غضون عقدين ليقدم إلى المكتبة العربية أهم كتابين عنه؟
كيف انشغل بذلك الإلهام ليتدخل تأويليا في عملية التأليف ـ وهو المترجم ـ ليستوي العمل تحت يديه إلى نص «تعاضد» فيه الباحث والمترجم من دون اتفاق مسبق، ليقدما لنا إثراء بلغ حده الجمالي الأقصى، كاعتراف سدد ثمن التذكرة الأولى لآرتور رامبو، حين قرر للمرة الأولى الهروب من باريس وزج في الحبس ليطلق سراحه ذلك البصريّ بعد قرن ونصف القرن بلا معرفة خاصة ابتداء من التحرير إلى العربية لكتاب بيير بتفيز «رامبو الشاعر والإنسان» من صنعاء، حيث كان الشاعر الأمهر منتميا الى قوافلها، ولغاية البحث الراقي لألان بورير «رامبو في الحبشة» وهذه المرة من الصحراء الأفريقية في ليبيا.
هكذا يقدم لنا الأستاذ الجامعي حسين عبد الزهرة مجيد كتابين فريدين كتوشية لـ «رسالة الرائي» التي أخذت رامبو إلى آخر مدى ممكن : حتى التشويش الكامل للحواس، المسببة لـ .. ومن الشعر الذي يعدّ «عزلة مخيفة، لعنة الولادة ومرض الروح» كما أطرب مرة جان كوكتو سامعيه.
ولادة أسطورة
من أين جاء الشاعر «الذي يحمل أكثر من صفة» بتعبير ألان بورير الذي قدم إلى جانب «رامبو في الحبشة» بحوثا متيقنة هي: «رامبو العرب» و «رامبو ساعة الفرار» والنشرة الخاصة برامبو «الحياة – الثر»؟ ولعل لا مثير في الأمر لو علمنا أن اسم «رامبو» مشتق من «رابو» وهي كلمة تيتونية الأصل تعني «ريبي» أو البغي. أما «ولادة الأسطورة»، فكانت في 20 أكتوبر 1854 حاملة اسم جان نيكولاس آرتور الذي سيأخذ لقب رامبو في أشهره الأولى التي زحف فيها نحو باب الدار مسجلا محاولته الأولى للهرب!


Arthur Rimbaud "Ophélie" French Poem Animation

بين التسجيل وما فوقه
وإذا كان كتاب بيير بتفيز يميل إلى التسجيل، فإن ألان بورير وإن حمل كتابه عنوانا يبدو محددا «رامبو في الحبشة»، إلا أنه – وبتوافق رائع مع المترجم – لاءم مساره الغامض ، فوق النص الحكائي، ليجبر القارئ على تأدية جهد مضاعف لأن يكون مقبولا عند التلقي وبمستوى المنهج الذي اتخذه ، لأنه لم يحول نفسه إلى راوٍ مصدّق ، ليقتل الجزء الخاص بالقارئ، بل اكتفى برمي غيظه ، لكي نتعقبه كإجراء لا مناص منه للتحقق من نظرتنا إلى الشاعر أو للذاتية (التي يتلذذ في تنميتها المتلقي عادة) والطرافة الجادة في كتابة نص غير مصنف بجنس أدبي يملك رفـّه الرسمي.


Arthur Rimbaud - Le Dormeur du val

الرائي المستحيل
لندع الكتابين يتكفلان بسرد تفاصيل حياة الأسطورة، ولننشغل فيما سطراه من هم ّ تحملناه عن الشاعر والمغامر والمتشرد والصعلوك والجائع والثائر والمراهق، البوهيمي ونزيل السجون المختلفة والمثابر المحموم والمثقف الغني ذي المزاج العنيف والمتجهم الذي بدأ الكتابة في العاشرة وتركها قبل العشرين ليغير كل شيء في الشعر الذي قبله وبعده، متحولا إلى رائد الرمزية الذي اعتقد بول فيرلين ما أن قرأ قصائده المبكرة أنه رجل في الثلاثين على اقل تقدير.
رامبو يكتب جزئيا في الشعر المجاني المميز بالرؤية المثيرة والبارعة: «أقول بأن واحدا يجب أن يكون حالما» وهو الأكثر أصالة من بين الكبار ستيفان مالارميه وبول فاليري، حيث أرسلهم إلى مركبهم السكران لينزووا في واحدة من زواياه وينثر في الرماد من كان في عام 1873 «فصل في الجحيم» واضعا الشعر في المحك.
تعلم عدة لغات: اليونانية، العربية، الروسية، الإيطالية، الإسبانية، الألمانية والإنكليزية ودرس القرآن. خدم في الجيوش وتاجر بالقهوة والجلود والمسك ومشى آلاف الأميال عبر الأراضي الخطرة من اليمن إلى أثيوبيا، نحو مصر في الشمال الأفريقي لغاية سومطرة وجاوا وقبرص وجزر الهند الشرقية متشعبا بالأديان وثقافة المحليين.
عيناه زرقاوان ويحمل وجه ملاك، بينما يداه الكبيرتان والصعبتان كمن غرز فيهما المسامير، كتبت إحداهما شعرا لم يبتكره الجنس البشري، كما اعتقد هنري ميللر خلال تتبعه خطى رامبو في زيارته لباريس في الثلاثينات وما لم يستطع فعله جيش من الشعراء ..بوب ديلان إلى جيم موريسون وديلان توماس ولم يتلاءم مع جيل غاوتير بشكل فظيع وعشرات المواهب الفذة التي ألهمها التائه في الحبشة.
ARTHUR RIMBAUD

غير أن آرتور رامبو رمى موهبته الرائعة ولم يتكلم عن الشعر إلا باحتقار. في لغة شاعرية سهلة الوصول ، هذيانات ، تاريخ للحماقات، مخترعا ألوانا جديدة للحروف لكل الأحاسيس، عارفا دورات الاضطراب العقلي المقدس بالصورة الفنية الجهنمية والوحشية البعيدة عن الحقيقة، مخترعا الزهور الجديدة والنجوم البراقة في القصيدة، مكتسبا سلطات خارقة دفن فيها خياله وذكرياته.
انه فنان وراوٍ بنى طوابقه ودعا نفسه لولوجها تاركا للآخرين مهمة متابعته مجعدا الحقيقة، أي نجاح حققه يدفع اندريه جيد لوصفه: « أنه واحد من تلك النجوم البعيدة جدا، التي أخذت منذ ساعة انطفائها بالإشراق في عيوننا وستستمر كذلك إلى قرون قادمة».

الكبير في الشعر
ودع الأدب بمخطوطة فصل في الجحيم الوحيدة التي نشرها ، كحلم باطني منتجا أسلوب الحياة الأنانية والهلوسة. واقعي جيد لو أراد من الواقعية الشيء الكثير، مستغفرا من الأكاذيب، لابد أنه كان مجنونا؛ فاسدا روحيا ومخربا لحياته محدقا في الفضاء حاملا ذاكرة الفزع، مستسلما للشعر، فاطما نفسه ، أية حياة تبقى: متكبر حاد كبصيرته، معتزل بسحرية سرية، مثال بارز للجمال الخلاق مثير للاهتمام ،، عرّاف يستنزف كل السموم، هائل ومعقول، الواصل إلى المجهول بقصيدته «عاصفة من البحر» التي يتتبع فيها صراخ الأميركيين الأصليين واضطرابهم في الأعاصير حتى يصل منهم لوح خشبي مشبع بالماء ، القصيدة الأعجوبة وواحدة من أكثر روائع القرن. الصائغ الأمهر للمذهب الجمالي ، محطم القيود ، إيحائي وفائق الانسجام والوصف واللاعب المذهل بين اللغز المحير والاقتراح المثير وبضربة واحدة يشرك القارئ عاطفيا معه بالبلاغة المطلقة والإصرار غير القابل للتقليد والعنف المخادع والصورة ذات النغمة.
The Great Poet Of The Times

الكبير في الصمت
لكن رامبو يصمت لسبع عشرة سنة حتى وفاته، طارحا الأسئلة الرئيسية عن الكتابة بطريقة شديدة الصفاء، وبها يبلغ وجوده المجهول والفردي وهي «العالية» التي تحدث عنها إيف بونفوا وجاكلين ريسيه: « علينا أن نتأمل بعناية تعارض مثل هذا الصمت، الذي يبدأ متقطعا، ثم صار نهائيا مع صمت البلاغة العميق».
يقول عنه مورياك: « إنه من ذلك النوع الذي لا يكلف نفسه حتى الالتفات والنظر إلى آثار قدميه التي تركها على التراب وهو طفل» ، كأنه يشعر دوما بالاندفاع و «الرغبة الغامضة في التلاشي» التي يتحدث عنها فيكتور سيغالين، فالعالم ينفتح في شق بين الغيوم.
هناك في الحبشة اسمرّ بالشمس وضعف بالحمى ، قليل المال، لا مهنة ، لا درجة ، لا تدريب ، لا فرص ، لا قراءة .. هكذا أكمل حياته: «كل الذكريات القذرة تختفي.. عند الفجر» وبصبره المحترق يدخل المدن الرائعة. يقول نوفاليس «الشخصية هي القدر» وشخصية رامبو تعادل ضربا خاصا من لوم العالم، لكنه لوم ينفث به عن غضبه، مساقا بظمئه إلى المطلق ، فأدار ظهره للأدب وواصل سعيه في الصحراء .. مرة واحدة، وإلى الأبد وضع رأسه في القماش الأسود للصندوق المظلم ليرى العالم من حوله.
ولم يكن للشاعر التعيس أن يلقي نظرة خاطفة على مجده ، كما لم يعرف أبدا أنه آرتور رامبو.. تقول إينيد ستاركي: « لم يكن رامبو قادرا على تحمل الحياة بعلاتها، ولم يحتمل شروطها، فكرهها لأنها لم تأت على مخيلته». لكنها الأرض؛ صماء بكماء ورامبو يمضي، في رسالة كتبها فيرلين إلى ديلاهاي يصفه فيها : « مغلق تماما في أعمق أعماقه، مسدود من كل الجوانب، لا يتنكر فيها غير غروره الجبار، فيظهر شخصا آخر، أكثر ذكاء من حقيقته»، التي أدركها رامبو: «للشاعر أن يعرّف الكمية المجهولة لزمنه، والتي تستيقظ في الروح الكلية».
وكما بتر ساقه، قال مالارميه: « لقد بتر رامبو الشعر عن جسده الحي».
في ديسمبر 1891 مات رامبو من الألم « كأنه إيكاروس في هبوطه من السماء في لوحة بروجيل» بعد أن جاس لعشر سنوات أرض أثيوبيا وكأنه «نكتانبو، آخر فرعون يـُطرد من ممفيس، فيفر إلى مملكة الجن ولا يعود» كما كتب في وداع « فصل في الجحيم»: بين الغرباء الذين لا عمر لهم .. قد أموت هناك.

قمحة النار




قمحة النار
نساء في ليالي الحروب

دار رياض الريس
بيروت - لبنان 2009



Fire's Wheat Grain
Women in Wartime Nights



First Puplished 2009
Riad El-Rayyes Books
Beirut - Lebanon


http://www.arabicebook.com/




أموات بغداد

روايات الثمانينات

وزارة الثقافة العراقية
بغداد - 1983




وزارة الثقافة العراقية
بغداد - 1984




وزارة الثقافة العراقية
بغداد - 1985

قصص الثمانينات


وزارة الثقافة العراقية
بغداد - 1986



وزارة الثقافة العراقية
بغداد - 1988



المؤسسة العربية للدراسات والنشر
بيروت - لبنان 1988


ايقونة فن الشارع

Shepard Fairey
ولد فرانك شيبارد فيري في فبراير 1970 في كارولينا الجنوبية. قاد في عام 1989 أكبر حملة لصق رسومات لفناني الشارع Obey وكان يتجول في دراجته نهارا ليحدد الأماكن التي سيرسم عليها ليلا. ومنذ عام 1992 تمكن من ابتكار أسلوب «الرسم البديل» في اللوحات التي كانت تنهمر على الشارع الأميركي منبئة عن تصاعد موهبة لافتة جعلت رسوماته تتصدر عالم الملصقات، الفانيلات، القبعات، طوابع البريد وتعدد استغراقه في الأسلوب الجديد لفن الشارع، وأن تتصدر لوحاته معظم الإعلانات التجارية الصغيرة التي كان يغطي بعضها على نفقته الخاصة، مبينا تفسير ذلك في أن غايته تنحصر في إيصال رسوماته إلى كل الناس، حتى لو كانت مطبوعة على أكياس. ونعتقد أنه بهذه العبارة والتصرف، كرّس «فلسفة فن الشارع» في أعمق ما يمكن أن تصل إليه، كما لو كان أيديولوجي «فكرة الملصق» التي هدمت الأساليب التقليدية للرسم والتصميم ومزجتهما لتمنح الجمهور الواسع صنفا جديدا يتسرب لاشعوريا في الوعي الجماعي الذي تثبت فيه الصور والرسومات التي كان يلصقها مشكلا أكبر فرقة لاصقين في العالم بالتعاون مع فناني شارع برزوا بعده في عام 1995 أمثال: أندي هول وديف كينزي وفيليب دي وولف.


من التشرد إلى التنظيم
هذه المجموعة سيطرت في البداية على السوق الفنية للملصقات الرياضية والألعاب وما تتطلبه من ملابس ومعدات وإكسسوارات. وكانوا يشغلون في الشارع وعلى طبيعتهم البوهيمية، لكن رجال مكتب التحقيقات الفدرالية «أف بي آي» لم يتمكنوا من الصبر على ثلة الشبان الذين يملأون الجدران برسوماتهم «الثورية»، ليزجوا في المعتقل الذي أجبرهم على تأسيس شركة «رسمية» للتصميم والتسويق، ساعدتهم في ذلك زوجة فيري المستقبلية أماندا آيالا التي كانت أكثر اتزانا وتنظيما وتمكنت من إقناع مجموعة الفنانين المتشردين بالانتقال من سان دياغو إلى لوس أنجلوس لكي يتسنى لهم التوسع في عاصمة الفن ونظمت لهم أول معرض في صالة فنية عام 2001 بعد أن كانت رسوماتهم تمحى لوحدها على جدران الحواري الفقيرة.

الثقافة الشعبية
وهكذا أصبحت أماندا «المنظم» الفعال لصعاليك الشارع وفي غضون بضعة أشهر تمكنوا في عام 2003 من السيطرة على سوق الملصقات الموسيقية والأزياء ( بعد الرياضية). وفي عام 2004 انضم إليهم صديقهم الضائع روجر غاستمان المخلوق في برميل «ثقافة البوب» كما يسمونه، ليؤسسوا معه أكبر استديو لفن الملصق ورسوم الشارع في العالم وأصدروا ثلاث مجلدات ضخمة لرسوماتهم عام 2006 وزعت منها ملايين النسخ. ويرى نقاد الفن أن أعمال شيبارد فيري لا تضاهيها إلا ما عرف به رائد «فن البوب» أندي وارهول ( اشتهر بملصقات الـ silkscreen لألفيس برسلي ومارلين مونرو ومشاهير آخرين)، بمزجهما بين الفن الرفيع والتجاري واستخدامهما الوعي الشعبي. وامتدت جذور فن فيري إلى مشاهدات موسيقى البونك والتزلج في الثمانينات وراديكاليته التي واجه بها استبداد المؤسسة الأمنية متحدثا بصدق عن العالم الحقيقي الذي لم يقدم للناس بشكله الصريح وكان في كل مرة يعتقل لأنه لم يترك مبنى لم «يشوهه» كما يحررون محاضر الشرطة. لقد أثار فيري وفريقه منتجي السينما، وجذب نحوه المخرجين الذين نفذوا مجموعة من الأفلام الوثائقية عن هذه المجموعة الفريدة وعرضوها في مهرجان سينمائي خاص تحت الأرض في نيويورك وشاركوا في هذه الأفلام بمهرجان سنداس السينمائي وبعد الشهرة التي حققتها هذه الأفلام عرضت في أكثر من 70 مهرجان للسينما ومتحف عبر العالم.

حملات ضد الحرب
وفي خضم الحرب في العراق عام 2003 شدّ فيري الحنين للعودة إلى الشارع لينضم إلى الفنانين كونال وميار ( اللذين تمسكا بالبقاء في الشارع) ليقودا سلسلة من حملات «ضد الحرب» وغزت ملصقاتهما الشوارع الأميركية وكانت رسوماتهما المعادية لجورج بوش ترى في كل مكان: صناديق القمامة، الفانيلات، الأقراص المدمجة، محطات الهواتف والمترو، إشارات المرور، إعلانات فرق الروك ووصلت شهرتهما لغاية دخول ملصقاتهما في عمق متحف هونولولو للفن المعاصر عام 2006 ليصدر فيري بعدها المجلة الأكثر توزيعا في عالم الرسم اليوم وأسماها «احتيال» بالتعاون مع روجر غاستمان تصدرتها محادثة لاذعة يمكن تصورها فحسب لو عرفنا أنها جرت بين جورج أورويل وجورج آخر لكن دبليو بوش!
نشاط استثنائي
الجهد الكبير الذي كان يقوم به فيري وفرقته جعلت رسوماتهم تبرز في الصفحات الأولى لكبريات الصحف الأميركية وكانت تنشر يوميا في قسم الفنون في النيويورك تايمز وتقدم للناس في أفضل معارض زمننا: جوناثان لي فيان. وفي سبتمبر 2008 أقام شيبارد فيري معرضه المنفرد الأول تحت عنوان «الإنسانية المزدوجة» في رواق الرمس في سان فرانسيسكو تضمن 50 عملا ولأن الانتخابات الرئاسية الأميركية تقترب، فقد تبرع بما كسبه في هذا المعرض لدعم حملة أوباما الانتخابية.
Obama HOPE Image
ملصق الأمل
بدأت الأصباغ الأولى التي رسمت «ملصق الأمل» لأوباما على جدران بناية في دينيفر (كولورادو) وسرعان ما انتشرت في شيكاغو وواشنطن ونيويورك بشكل رايات وبوسترات وتقدمت المسارح والمنصات التي كان يلتقي فيها أوباما مع أنصاره. وثمة ملاحظة تاريخية مهمة بشأن هذا الملصق وهي أن الصورة التي اعتمدها فيري كانت لأوباما في غضون حلقة نقاش تخص الإبادة الجماعية في دارفور التقطها المصور ماني غارسيا (يعمل لحساب أسوشيتد برس) الذي لم يتخذ أي إجراء قضائي ضد فيري، لكن الآخرين اتهموه باستفادته بشكل غير قانوني من عمل شخص آخر. ومهما كان الأمر، وبعد الانتشار المذهل لهذا الملصق، قام فيري بإجراء تحويرات في الألوان والضوء عليه في كل مرة وكان الخصوم يتهمون الاندفاع الكبير لهذا الملصق إلى كل جدار في الولايات المتحدة لكونه غير مرخص. ولكن عن أي ترخيص يجري الحديث مع فنان ولدت رسوماته الأولى في الشارع! يقول فيري إنه لم يكتب مفردة «الأمل» في البداية، وإنما «التقدم» ولكن بعد أسابيع من انتشاره، اتصل القائمون على حملة أوباما وطلبوا أن تصاحب الملصق مفردة «الأمل» وهو التغيير الوحيد الذي أجري على الملصق الذي كان يوزع منه نصف مليون نسخة في أوج الحملة الانتخابية.

كيف شكره أوباما؟
يوضح فيري أنه طالما وضع المال خلف ظهره، لذلك لم تصعقه نسبة المبيعات المهولة التي حققها ملصقه ولا يعرف حتى من الذي كان يطبعه وينشره ولا من يمول هذه العملية واعتبر أن همه كان في كيفية دعم أوباما لكي يفوز وتبرع علنا بكل إيرادات الملصق لدعم حملته، وأكثر ما أفرحه واعتبره تتويجا لجهوده رسالة من الرئيس الأميركي الجديد، موجزة ومعبرة وكافية نصها: «أود أن أشكرك لاستثمار موهبتك لمساندة حملتي التي كانت أعمق من الرسائل السياسية وشجعت الأميركان على الإيمان بحتمية تغيير الوضع الراهن. لقد كان لرسوماتك تأثير عميق على الناس سواء التي كنت تقدمها في المعارض أو التي يرونها عند إشارات المرور. واعتقد أني أشعر بالفخر لكوني كنت موضوعا لعملك الفني».

صعلوك إلى الأبد
بالرغم من الشهرة الجبارة التي اكتسبها بعد رسمه «ملصق الأمل» لأوباما الذي تحول في غضون الانتخابات ولغاية الآن إلى أيقونة أميركية شعبيا وفنيا ووطنيا، فإنه اعتقل في السابع من فبراير 2009، وهو في طريقه لافتتاح معرضه في معهد الفن المعاصر في بوسطن، لأنه لم يستطع كبت الصعلوك في داخله حيث قام في ليلة صعد فيها مزاجه، ليرسم بوسترا هجا فيه الشرطة المحلية وطلاه على أحد الجدران. وهي التهمة نفسها التي وجهت إلى فيري الذي لم تسلم جدران مدينة أميركية من أصباغه: القيام بإضرار الملكية العامة!

الثلاثاء، 24 مارس، 2009

Teatro alla Scala


يتمنى أي مغني أوبرا أن يرتقي خشبة مسارح مثل 'متروبولتين' الأميركي و'بولشوي تياتر' الروسي و'تياتر فيينا' النمساوي، ولكن قمة الفخر يمتلكه المطرب أو المجموعة الفنية وكبرياء تصهره في تاريخ الفن وتكتب اسمه في اللائحة الذهبية ما ان تتكرم له الحياة بفرصة الصعود الى أكثر مسارح الأوبرا تميزا في العالم والواقع في مركز ميلان والذي لا يخطئ أحد في تسميته: آلا سكالا!
تأسس برعاية الامبراطورة النمساوية ماريا تيريزا كبديل للمسرح الدوقي الملكي الذي التهمته النيران في 26 فبراير 1776 وكان يوجد في ميلان حتى ذلك الحين بيت للأوبرا. صممه أهم معماريي عصره جيوسيب بيرماريني وافتتح في 3 أغسطس 1778 بأوبرا أنطونيو ساليري المسماة L'Europa riconosciuta والتي كتب كلماتها ماتيا فيرازي. ومنذ تأسيسه كانت تضيئه الشموع حتى دخلته منظومة الانارة بالغاز في عام 1860 حينما توسطت قاعته ثريا كبيرة.
ارتبطت المرحلة المبكرة من المسرح بالأوبرا الكوميدية 'النابولية' التي كان من أبرز روادها جيوفاني بايزيللو 1740-1816 ودومينيكو كيمارسا 1749-1801، وتطور المسرح بالتدريج على يد كبار الموسيقيين والمطربين في ذلك العصر وكانت ذخائره تزداد مع مرور السنين بأعمال فرديناندو بايير وجيوفاني سايمون اللذين نقلا المسرح من مرحلة الأوبرا الكوميدية الى الأوبرا الرومانسية وكانا الممر الذي برز فيه غيواشينو روسيني الذي شيد بأعماله الخالدة الأوبرا الملحمية الايطالية في أعمال لا يزال المسرح يعرضها حتى اليوم. وبعد هذه المرحلة تمكن سلفادور فيغان وكارلو بلاسيس من افتتاح مرحلة الباليه وتسيده بتوظيف موسيقى ولفجانج وأمادويوس موزارت. ويمكن اعتبار عام 1825 بداية ظهور الأوبرا الجدية على يد غايتينو دونزيتي الذي امتد عرض أعماله الجديدة لغاية عام 1850 ولا بد من ذكر السوبرانو ايزابيلا وبيلوس تيريزا وباستا جيوديتا وغيرهم من نجوم ذلك الزمان الثري الذي أنجب الفرنسي ماريوس بيتيبا 1822-1910 الذي لم ينل أحد مثل شهرته في ذلك الوقت قبل نقل نشطه الفني الى سان بطرسبورغ حيث قدم باليه 'بحيرة البجع' لتشايكوفسكي تبعه فيردا بأداء أوروبي لأوبرا عايدة التي قدمت في آلا سكالا لأول مرة عام 1872.


تمر السنون المعطاءة ليصبح أرتور توسنيني المدير الفني للمسرح ليقوم باصلاح جذري له سواء في سماته التنظيمية أو علاقته بالجمهور، علما بأنه كان أعظم قائد اوركسترا في زمانه.
وما ان اقترب حلول القرن العشرين كانت الواقعية الموسيقية سائدة بالأعمال الرئيسية لبيترو ماسغاني وفرانسيسكو سيليا وأمبيرتو جوردانو وغيرهم ممن نظموا الحركة الموسيقية الجديدة وفسحوا مجالا للمسرح لاستقبال الملحنين الأجانب.الحربان العالميتانكان لاجراء تحويل المسرح الى عهدة مجلس مدينة ميلان أثره في انقاذ المسرح من أزمته الاقتصادية التي تفاقمت عام 1917 بسبب الحرب العالمية الأولى وتحويله الى بلدية ميلان ضمن تمويله السنوي واعطاء زخم مادي لنشاطه ودفق لتجديده الكامل وتزويده بالتقنيات الحديثة.
وفي الحرب العالمية الثانية وفي عام 1943 تحديدا تعرض المسرح لقصف مؤثر أتلف الكثير من أجزائه ولكن أعيد افتتاحه بعد انتهاء الحرب في 11 مايو 1946 وعاد نشاطه الفني بسرعة بفضل فيتوري فينزيني الذي كان قد طرد من المسرح عام 1938 بسبب قوانين موسوليني العنصرية والعرقية وعاد الى قيادة الأوركسترا لغاية ظهور الموسيقار جيدو كانتالي عام 1948 ليؤسس نفسه كواحد من أهم قادة الأوركسترا في العالم بعد الحرب وهي المرحلة التي قدم فيها المسرح المطربة الخالدة ماريا كالاس بجانب كبار لا يقلون شأنا عنها أمثال ريناتا تيبالدي وجيوسيب دي ستيفانو وماريو ديل موناكو.


أنه تاريخ طويل وغني بالعمالقة الذين لا يمكن التوقف عند انجازاتهم جميعا، ولكن من المهام التأكيد مرة أخرى على أنه لم يخلق في هذا المجال الفني مبدعا مهما كان واجبه وتخصصه، الا ومرت أعماله على هذا المسرح - المؤسسة.
تحول سكالا في عام 1997 الى مؤسسة مستقلة مهمتها الارتقاء بالثقافة الموسيقية في العالم واعتمد على ما يدفعه الجمهور في شباك التذاكر وعائدات متحفه المهم. وجلب المسرح أرباحه الخاصة ليس بفضل الشباك الذي كان غاصا بالناس على الدوام فحسب، بل بفضل ما عرف ب 'الثقافة التجارية' التي داهمت المجتمع وادارة المسرح التي بادرت في هذا المجال خاصة عندما تحلق الفرق الخاصة به لتقدم أعمالها حول العالم. وأدى هذا التحول الى خلق نظام جديد للمسرح ارتبط بالاستراتيجية الثقافية التي ارتبطت بالانتاج والمنتجات التي يعرضها المسرح للجمهور الى جانب المطبوعات والشرائط الموسيقية والأفلام والصور والأفيشات التي تباع في محلات المسرح الخاصة.المتحف افتتح المسرح في 8 مارس1913 بعد شراء المجموعات الثمينة من التاجر الأثري الباريسي جولز سامبون.


والقصة بدأت قبل هذا التاريخ بسنتين عندما اجتمع قادة المسرح، وهم الشخصيات الأبرز في ميلان، ودعوا الفنانين والمثقفين في المدينة الذين يربطهم الحب والاعجاب الكبير بالمسرح لتزويده بكل ما يملكون من متعلقات الفنانين الذين وقفوا على خشبته منذ سنواته المبكرة. ونظموا مزادا لهذا الغرض وبمساعدة الحكومة و50 مثقفا وفنانا تم افتتاح المتحف في التاريخ أعلاه بعد أن جمعوا ما باستطاعتهم في غضون سنتين من العمل المثابر.
أعقب افتتاح المتحف التبرعات التي أضافت اليه الكثير من اللوحات والمقتنيات الخاصة كالآلات الموسيقية التي عزفت عليها أول أوركسترا والقيثارات والسناطير والأعواد والفورتوبيانو العائد لفيردي الذي لا يزال منتصبا في الصالة الرئيسية للمتحف الذي تزخر جدرانه بمختلف الآلات الأثرية مع تماثيل كاملة ونصفية لكل الملحنين وقادة الأوركسترا وكتاب الأوبرا منذ القرن الثامن عشر ولوحة للمصمم بيرماريني الذي لبى طلب امبراطورة النمسا تيريزا ببناء المسرح.


تعلق الآلات على السجادات الشرقية بلا تكلف وثمة صندوق خشبي عليه كمان وقيثارة وبجانبهما بيانو وقوس ونوتات كبار الموسيقيين بخطهم، وتنزلق موجات الضوء على الألوان الباقية من عصر الرواد الأوائل وتشكيلات الرسامين الذين لاحقوا تعبيرات المشرقين عبر كل الأجيال.
يمكن التملي بكتابة القرن السابع عشر اللاتينية وصور صناع الآلات الموسيقية وفوقهم لوحة لأول كورال نسائي أطرب جمهور السكالا.
لندخل الى غرفة كرست لكوميديا dell'Arte التي قدمت بين القرنين السادس عشر والثامن عشر حيث كان الممثلون يرتجلون الأغاني والحركات البهلوانية، وتوثق نقوش جاك كالوت الحيوية مسارح الشوارع والميادين التي انتشرت في ذلك الزمان والتي جمعها مسرح آلا سكالا تحت قبته الرائعة، وفي الجوانب ينتشر الخزف الذي نقل من أشهر مصانعه في أوروبا والصين واليابان بالخيال الذي يبثه وجمال ألوانه وواقعيته، وليس بعيدا، في الممر يمكن مشاهدة الأوسمة النادرة التي منحت للفنانين والملحنين، وهناك الأقنعة و 170 قطعة من السيراميك والآلات الشعبية التي كانت تحدد ايقاع الرقص.
سينقلك المتحف للوحات المغنيات الرائدات للأوبرا وسماء قصائدهن الطويلة وذلك الأداء المبهر لايزابيلا كولبران ببدلتها الياقوتية لدزدمونة وماريا مالبران معشوقة جماهير سكالا وتنهدات جيوديتا باستا التي أدهشت الناس بعمر العشرين وكانت تستنزف نفسها جسديا في الأداء مما جعلها الأشهر في أوروبا ونصبها تاريخ الغناء في المقدمة وفخامة مدير الرقص سلفادور فيغان ودوره المجيد في تقديم أوبرا روسيني ولمساته الأولى التي أعطت الاشارة الى تجديد فن الأوبرا.

ستقدم الصورة الصارمة لأكيلي سكاليس نفسها بنظرته المتجهمة التي تنظر بعيدا الى الأمام تماما كما كان يفعل في تدريب الممثلين والمغنية الشهيرة في منتصف القرن التاسع عشر اديلينا باتي والهدايا التي منحها اياها نابليون.
نحن الآن في قاعة القرن العشرين حيث تواجهنا لوحة لودفيكو بوغليافي وقادة الأوركسترا ونجمة كل العصور ماريا كالاس.
استراحة حيث يلعب الارستقراطيون الورق والروليت والنرد وألعاب أخرى بين الفصول كان في مقدمتهم أرشيدوق النمسا فيرديناند الذي أصدر مرسوما منع بموجبه بعض الألعاب في المسرح وكعادة الأرستقراطيين وضع الأرشيدوق بعض الاستثناءات على الألعاب التي يحبها أو يجيدها.
لا تزال طاولة النرد ذات المربعات والعائدة للقرن التاسع عشر تسرد أولئك الرجال القادمين من الأراضي البعيدة للاستماع الى أوبرا أو الموسيقى، ويتجولون في مكتبة ليفيا سيموني التي تعد ارثا لا يقدر بثمن لمسرح آلا سكالا بأكثر من 140 ألف كتاب عن المسرح ونصوص الأوبرا والباليه الأولى في الانسانية ومجلات الأوبرا والباليه ورسائل الموسيقيين الأكثر شهرة، وهناك كذلك المغنون وراقصو الباليه والممثلون والحدادون والنجارون الذين كانوا يبنون الديكورات المذهلة ومصممو الأزياء والخياطون والنحاتون وكل من وضع لمسته على هذا المسرح الخالد.