الأحد، 3 مايو، 2009

" قمحة النار" – نساء في ليالي الحروب

كتابات - وارد بدر السالم
صدر عن دار "رياض الريس" في بيروت كتاب جديد للروائي العراقي جمال حسين علي "قمحة النار" – نساء في ليالي الحروب، ويأتي ضمن اهتمام الكاتب والصحافي في مجال الأدب الوثائقي ، الذي تفرد فيه في غضون العقدين الأخيرين اللذين غادر فيهما العراق وتجول بعد دراسته الأكاديمية في جامعة موسكو، في الكثير من البلدان والمناطق الساخنة، توجها في فوزه بجائزة الصحافة العربية ( 2004 – 2005) وهو العراقي الوحيد الذي يفوز بهذه الجائزة حتى الآن.
وبعد إصداره سلسلة من هذا النوع من الأدب الذي تفتقر إليه مكتبتنا العربية، يقدم لنا هذه المرة، موضوعا مثيرا وهو وضع النساء في المناطق والبلدان التي وجدت نفسها في مواجهة حروب طويلة، أرهقت بنيتها الاجتماعية وفرقت عائلاتها ، مسلطا الضوء على الحرب الأخرى التي تعيشها النساء ، في غياب الرجال أو رحيلهم النهائي.
وبالإطلاع على سيرة الكاتب التي ذكرها الناشر في الغلاف الأخير من الكتاب، نرى أنه قام بتغطية أغلب الحروب التي وقعت في العقدين الأخيرين، متنقلا من حرب أذربيجان وأرمينيا إلى الحرب الجورجية الأبخازية ومنها يعمل سنوات في الحرب الشيشانية ، وبعدها يمضي أكثر من عام في أفغانستان ومنها إلى البلقان ودارفور ولبنان ويدخل العراق عن طريق التهريب إلى كردستان وبقاؤه لأقل من سنة حتى استقراره في بغداد ليبعث منها تقاريره الحربية.
وكما تميز جمال حسين علي في بواكيره الروائية والقصصية منذ مطلع الثمانينات، بميله إلى اللغة الشعرية ، ففي كتابه الأخير يبقى مخلصا لهذا الأسلوب مقدما لنا تكثيفا مؤثرا لحال النساء الأفغانيات والشيشانيات والكرديات والعراقيات بشكل عام ، مبتعدا في نصوصه عن السياسة، راسما طريقته الخاصة في "الاستهجان" لكل ما يحصل في تلك المناطق وعبثها وفوضاها ، كمحاولة لإيجاز دروس للتاريخ وعدالته المفقودة.
وفي هذا الانسياب يقول جمال حسين علي في تقديمه للكتاب: "ستبقى حكايات النساء في محن الحروب الكثر إفراطا بثقل الحقيقة كتمهل فراشات عند حقول تحترق".
ولعل لغته كانت مهيئة عفويا ليمرر منها الشعر - في كل فصول الكتاب تقريبا – مطوّعا النثر المركز لحاجات لياقة النص لديه ، ناهيك عن تمسكه بثوابت التقرير الصحافي بعناصره الرئيسية التي تحقق المراد بأكثر عسرا من السرد الوثائقي للروايات التي شاهدها وحكايات مئات النسوة اللواتي التقى معهن كالركن الحصين لموضوعه الذي بقى ينظر إليه من مفتتح الكتاب حتى نهايته، دون أن يفوت الفرصة لتصوير المشهد المرعب والحزين ، كصورة ونص تملك مداها الأرحب كبقع الآلام لنساء أهدى لهن الكتاب في مطلعه: " اللواتي لا يملكن إلا جلودهن وحيرة الأطفال وقفار الشوارع الملتهبة" .. و " هنّ صور الحرب الباذخة الوحشة ومسلـّتها الواهنة، صديقات الأشجار ومطفئات النيران والجبال التي لا تنخّ إلا بعد الأنهار. هنّ طهارة البلدان التي احترقت والواصل والموصل وحتى الكلمات التي سحقتها المسرفات، ومن ذاكرتهن نستبدل، هذه المرة، المزج الأول لحزن الحروب المدنسة ، فاتحين صهوة الأبواب لهنّ ، ليحكين ما لا يروى، عن بلدان ما عادت تستطيع الكلام".
أن جمال حسين علي يقدم لنا عملا فريدا لم يهتم فيه أدبنا العربي، ونقصد الأدب الوثائقي ، ولعله سيجتاز واثقا هذا المجال ليكون من القلائل الذين سيبنون لغة الذكرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق