الأحد، 3 مايو، 2009

حرب تمّوز وشجرة الليمون

جريدة - "صدى البلاد"
في ملحمة روائية عنوانها "أمــوات بغداد" (512 صفحة من الحجم الكبير، دار الفارابي) للكاتب العراقي جمال حسين علي، جاﺀ في الصفحة، 104 من الرواية أن مرض السرطان "الذي هاجم الآلاف من سكان البصرة بسبب القصف باليورانيوم المنضب، جاﺀت الأوامر العليا بمنع التحدث والكتابة والتفوه بكلمة" سرطان "في مستشفيات البصرة حتى لا يصاب الناس بالهلع، وعمموا التعليمات على جميع مستشفيات هذه المدينة، المنكوبة بالورم الجماعي، بأن يكتبوا أي شيﺀ في شهادات الوفاة إلا السرطان، واستمرت إبادة الناس وبخاصة الأطفال، الذين كانوا أصحاﺀ قبل أشهر، وسط ذهول"... الآباﺀ.
في حديقة منزلنا العائلي، في الجنوب اللبناني، شجرة ليمون قديمة، باسقة، يجتاز أعلاها المورق والمثمر، بارتفاعه، مصطبة المنزل العريضة، ما يتيح لمن في المنزل، ولبعض الجارات والجيران، قطف ما يحتاجون له من الليمون الحامض، مباشرة من على المصطبة، وأشجار الليمون معروفة باخضرارها الدائم وإثمارها المتواصل. في حرب تموز سنة 2006 ضربت شظية من قذيفة أو من صاروخ، أثناﺀ العدوان الاسرائيلي، حافة المصطبة قرب شجرة الليمون، فتناثر من الشظية غبار أسود داكن غطى أوراق الشجرة والمصطبة بكاملها.
بعد مرور أشهر على الحرب بدأ الاصفرار يضرب الأوراق، الخضراﺀ فظن شقيقي أن السبب يعود الــى حالة الــهــرم... ولكن جــاره، المهندس الزراعي أنبأه بأن ما اعترى الشجرة قد يكون بسبب الهرم، وقد يكون بسبب القصف باليورانيوم.
في زيارة قمت بها للأهل، في مسقطي، قبل أيام قليلة، للتهنئة بعيد الفطر، لفتني أن اصفراراً كبريتياً حاداً يعتري شجرة الليمون بكاملها. قلت لشقيقي: يبدو أن الشجرة المباركة، التي رافقتنا منذ مرحلة اليفاع في حالة احتضار... أجاب على الفور: جارنا المهندس الزراعي على حق لأن ما تــراه لا يقتصر على شجرة الليمون، بل هناك مزارعون من بعض القرى الجنوبية يتحدثون عن ذبول، غير طبيعي، يصيب العديد من الأشجار، خصوصاً أشجار الزيتون، فمن المتوقع أن يكون عطاؤها هذه السنة جيداً بالنظر للشح في عطائها في السنة الفائتة، ولكن أصحاب بساتين الزيتون، وتجار الزيت، يتوقعون العكس خصوصاً في المناطق التي تعرضت لقصف كثيف من الإسرائيليين.. فعقّب قريب لنا، من مجايلينا، بقوله: ليت الأمر يقتصر على الأشجار، بعض الأطباﺀ يتهامسون حول أعراض مرضية، عند الأطفال والمسنين من المرضى، لم تكن موجودة من قبل، ولكنهم يتكتمون عليها لسبب ما...
غادرت مسقط رأسي مثقل النفس بما شاهدت وما سمعت: أهي ثرثرة شيوخ يملأون بترديد الإشاعات فراغ أوقاتهم، أم هي حقائق فرضت "الأوامر العليا" التكتم عليها، مثلما جاﺀ في رواية الكاتب العراقي عن مدينة البصرة؟ !

http://www.albaladonline.com/html/story.php?sid=36739

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق