الأحد، 3 مايو، 2009

الاحتلال في الرواية العراقية

هل المقاومة الثقافية حقاً بديل للمقاومة العسكرية في ظروف الاحتلال الأجنبي؟سؤال ضمني من مجموعة اسئلة يمكن أن نتساءل بها في ظرف معقد كهذا الظرف الطارئ في حياة الشعوب. ولا شك أن الاحتلال الأميركي للعراق وما تبعه من تداعيات كثيرة أوجد فيضاً من الإستفهامات أمام محنة الثقافة العراقية بشكلها العام في كيفية دحر الاحتلال الأجنبي عبر المقاومة الثقافية المتحضرة التي تستبعد العنف وتلجأ إلى وسيلة فنية معبّرة من شأنها أن ترتقي بهذا البُعد الحضاري وهو يستلهم من مقاومة الشعب بشتى صنوفها معانيه الفنية والإبداعية.
أدب المقاومة ليس غريبا على الثقافة العربية عامة، فلنا في الأدب الفلسطيني المحتلة أمثلة كثيرة بدءاً من روايات غسان كنفاني وحتى قصائد محمود درويش كعلامات بارزة في هذا الميدان. وفي معظم البلاد العربية نشأ هذا النوع الأدبي وهو يقارع الاحتلال والاستعمار في الجزائر والعراق ومصر وسوريا ولبنان وكل الوطن العربي الذي خاض نضالات مختلفة في سبيل حريته. وحتى في العالم كان هناك أدب نوعي يتقصى اثر المقاومة العسكرية بالكلمة النافذة، بالقصيدة، بالرواية، بالقصة، وشاعت أسماء مهمة في الآداب العالمية في ألمانيا والاتحاد السوفييتي السابق وفرنسا فكتب همنغواي عن الحرب الأهلية الإسبانية وكتب فيركور رائعته الشهيرة «صمت البحر» عن المقاومة الفرنسية وكتب الألماني ريمارك أروع رواياته في هذا الإطار.ورغم حداثة الأدب العراقي في ميدان أدب الحرب والمقاومة إلا أنه تمكن من أن يؤطر تجربته بهذه الثيمة عبر سنوات الحروب التي مرت به فكان أدب الحرب علامة مهمة في الثقافة العراقية لم تُدرس جيداً لأسباب ليست مجهولة عبّرت عن ضيق أفق إيديولوجي لدى البعض، فيما أخذت المقاومة الثقافية تتصاعد وتائرها أخيراً في ظل الاحتلال الأميركي للعراق عبر خمس سنوات من الاحتكاك المباشر به كبديل مقترح للمقاومة العسكرية وتجنب العنف المسلح والدعوة إلى فضح ما يجري في الأحشاء العراقية من تدمير وتحزب طائش وتخريب طال كل شيء، بما في ذلك تخريب الإنسان وإخضاعه إلى مستوى من اليأس لا قبل للعراقيين به على مر تاريخهم.
يمكن التوقف عند ست روايات عراقية تمركزت موضوعاتها حول قضايا اللحظة الاجتماعية والسياسية والعسكرية عبر أكثر من مستوى فني عالجت فيه مشكلة الاحتلال وتداعياته النفسية والاجتماعية والمتغيرات الجوهرية التي عصفت في بُنية المجتمع بمساحاته العامة.وقد تكون لنا الكثير من الملاحظات في المقاربات النقدية بين هذه الروايات من حيث المعاملة الفنية، لكننا فضلنا الاستعراض الأولي لروايات اجتهدت أن تنبني على محور واحد هو الساحة العراقية بوجود قوات أميركية محتلة؛ والروايات الست هي (حارس التبغ) لعلي بدر و(حليب المارينز) لعواد علي و(بنات يعقوب) لمحمود سعيد و(الحفيدة الأميركية) لأنعام كجه جي و(أموات بغداد) لجمال حسين علي و(مقامة الكيروسين) لطه حامد الشبيب.
والملاحظ أن خمساً من هذه الروايات كُتبت بعين المراقب الخارجي مع أن أحداثها تدور في بغداد بعد سنة 2003 أي أن الرائي هو راءٍ خارجي قدم إلى العراق بعد الاحتلال واستبصر الحال الجديدة التي وُصفت بالانهيار المطلق، فيما كانت رواية «مقامة الكيروسين» تتجه إلى الداخل وتحاكم المرحلة السابقة عبر قضية الدجيل المعروفة!
أموات في المشرحة
«أموات بغداد» قدمت رؤية ملحمية لواقع ما بعد الاحتلال عبر مشرحة الطب العدلي في العاصمة استثمر فيها الروائي كل معطيات العلوم الحديثة كالطب والتشريح والجينوم ليحيط بفاجعة الاحتلال عبر حبكة روائية مزجت بين الواقع والخيال والمعرفة العلمية والأدبية في أجرأ نص روائي عراقي عن الاحتلال الأميركي كُتب حتى الآن..
ولا شك ان جمال حسين علي استثمر وجوده في بغداد كمراسل صحافي قادم من موسكو واقترب من الفجيعة العراقية بعد غربة دامت عشرين عاماً وهي الغربة التي أدت إلى انقطاعه عن النشر طيلة تلك الأعوام، لكنه يعود الآن بجدارة روائي محترف في (أموات بغداد) برمزية عالية يوحيها العنوان بوصفه عتبة النص ومدخله.ولنا أن نلاحظ أن أموات بغداد هي مشرحة بغداد في الطب العدلي وهنا تدور رحى الرواية وتكشف هول الفاجعة العراقية التي سببها الاحتلال والميليشيات الطائفية والعصابات الإجرامية التي وجدت طريقها إلى الانفلات بغياب السلطة وتفكك الدولة.وهذه الرواية الجريئة بتفصيلاتها الواقعية والفنية اضافة نوعية إلى الرواية العراقية، وهي إحدى العلامات البارزة في ثقافة ما بعد التاسع من نيسان؛ كونها تمكنت من ان تقف على النتائج في أبشع صورها الدراماتيكية وهي المشرحة التي كانت تستقبل يوميا مئات الجثث للمدنيين.
أما «حارس التبغ» فهي تنويع فني بطريقة البحث الصحافي عن حقائق موسيقار عراقي اختطف ووجدت جثته مرمية قرب نهر دجلة عام 2006 لتكشف لاحقاً عمق التغريب لهذه الشخصية الفريدة في تحولاتها السوداوية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار حينما تقمصت ثلاثة اسماء وثلاث شخصيات وهي التحولات التي وردت في ديوان «دكان التبغ» للشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا والذي اعتمده الروائي مفتاحاً لحل لغز الموسيقار القتيل في لعبة دائرية وهي لعبة الشخصيات والأقنعة ولعبة السياسة وأقدارها المتلاحقة في كل مكان، ولو لم يكن علي بدر قادراً على التحكم بضبط ايقاع الرواية لأنفلتت منه الكثير من معايير الفن الروائي.وقد ذكر المؤلف أنه سافر إلى بغداد ودمشق بتمويل من مؤسسة ألمانية للبحث عن الوثائق الخاصة بمقتل هذا الموسيقار ومقابلة الشخصيات التي عرفته وقال : «لم تكن شخصية البطل وحدها لعبة من الأقنعة المتغيرة والأسماء المستعارة مثل قصيدة بيسوا، إنما الحياة برمتها هي لعبة من الهويات المنتحلة والأقنعة المتغيرة، أما الرواية فتكشف عن زيف الهويات وتحولها..في الوقت التي تصر فيه الحرب الأهلية على وجود هوية جوهرية واحدة..تنطلق أحداث هذه الرواية من المنطقة الخضراء في بغداد.حيث يكلف أحد الصحفيين في التحقيق في مقتل الموسيقار، وأثناء عملية البحث يتم الكشف عن أسرار المافيات السياسية والعصابات، كما أنها تكشف عن العوالم السرية لحياة الصحفيين والمراسلين وأسمائهم المستعارة. تنتمي هذه الرواية إلى أدب ما بعد الكولونيالية في تكذيب سرديات الهوية، والسرديات الاستعمارية، وتستخدم تقنيات الرواية التسجيلية والأوتوفكشن وأدب الرحلات».
يختلف عواد علي في «حليب المارينز» عن غيره من الروائيين في تقديم صورة الرائي الخارجي وهو يدخل العاصمة المحتلة قادماً من كندا ليدفع فدية مالية كبيرة للذين خطفوا شقيقه، ومن هذا الحدث تتسع الرواية لترى المشهد الجديد من زوايا نظر مختلفة، فالشخصية لمثقف مهاجر عاش حربين ووقع أسيراً ثم لجأ إلى كندا. ومن رؤية المثقف العائد قسراً تنفتح الرواية وتتفحص تداعيات الاحتلال وما تركه من أذى نفسي في المجتمع العراقي انعكس في سلوكيات الكثيرين الذين تحولوا أطياف تتناهبها شعارات المرحلة الجديدة في تشابك وجهات النظر عبر سرد متعاقب لشخصيات الرواية وتعاقب أصواتها الموزعة بين العراق وكندا.
أما «بنات يعقوب» فهي رواية ذات بناء ملحمي تدور أحداثها في بابل خلال الأعوام الأخيرة من حكم الملك نبوخذ نصر وتكشف عن الدور اليهودي في القضاء على الحضارة البابلية والدمار الذي لحق بها على يد العيلاميين.لكن الروائي يضعنا في القسم الأول منها بنفس طريقة الروائيين الآخرين حينما يضع شاهدهُ القادم من خارج العراق في قلب العاصمة المحتلة ليرى ما لم يره، وكما يبدو أن لا علاقة بهذا الفصل بالنسق الروائي العام.غير ان الرواية تقدم مقاربةً سرديةً محايثة للرؤية التوراتية في تعاملها مع الآخر وتنطلق من تهشيم الكثير من الأساطير المتوارثة التي قدمتها التوراة اليهودية في سياق روائي متماسك وعبر ملحمة ضخمة جداً وهي تستقدم التاريخ البابلي بأحداث بانورامية دقيقة الصنعة.وأرى هنا أن الروائي حينما وضع فصله الأول في قلب العاصمة وهو يدخلها بعد غربة طويلة كأنما يريد استحضار الماضي البعيد ويعمل مقاربة فنية منطقية لأحداث الأمس وارتباطها بما يجري الآن، مع تبدل الشخصيات والتواريخ والأمكنة في رمزية عالية المستوى تأطرت بملحمية عراقية تمكن محمود سعيد من انجازها على وجه دقيق.
ربما تكون رواية «الحفيدة الأميركية» من أكثر الروايات العراقية التي لامست الواقع بتحولاته الكبيرة حينما قدمت تراجيديا مركبة وبشخصيات أكثر تركيباً، مستثمرة «النوع» المستخلص من واقع مشتبك بمعالمه الجديدة المتولدة جراء الاحتلال، ف«زينة» في الرواية هي أميركية لكنها من اصول عراقية مهاجرة، لكنها تعود إلى العراق مع الجيش الأميركي كمجندة.وعندما تعود إلى مرابع نشأتها الأولى وترى جدتها التي تمثل الذاكرة الوطنية تقع في حب أخيها بالرضاعة وهو من عناصر جيش المهدي! هذه الفتاة التي عادت إلى بلدها مع الجيش المحتل كانت عبارة عن فتاتين أميركية وعراقية وهنا تكمن المفارقة في تقديم هذه الشخصية المركبة.وإذ تنجح كجه جي في رسم ملامح هذه الشخصية وتركيبتها النفسية تنجح الرواية في طرح أكبر تراجيديا سوداء يعيشها العراق حتى الآن، كما تنجح الرواية أن تقيم علاقة قهرية بين زينة واخيها المفترض الذي لم تره من قبل في صراع نفسي غاية في الدقة وتسلط الضوء على أكثر الجواب قتامة في المجتمع المحتل.
ويطلعنا طه حامد شبيب على روايته «مقامة الكيروسين» كرواية من الواقع العراقي المحتل ولكن باتجاه مغاير لبقية الروائيين حينما يغادر منطقة التصوير المباشر إلى منطقة المعتقل عبر موقعة الدجيل الشهيرة ويبني افتراضاته الكثيرة من سجلات الواقع الذي تكشف له بعد الاحتلال في تضاعيف هذه الموقعة التي سُردت بمخيال واقعي اقترب من الوثيقة وابتعد عنها بنفس الوقت في تعددية سردية تعاقبت عبر عدد من الأصوات.ولم تكن واقعة الدجيل الا جزءاً من الرواية كما قال المؤلف في إحدى الندوات واصفاً روايته بأنها جاءت (لتعالج الاحتلال) بين قبوله أو رفضه!
جريدة "البيان"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق