الأربعاء، 1 يونيو، 2011

الثقافة بعد انهيار الأنظمة الشمولية (3)



الأدب البولندي


إحدى مشكلات الأنظمة الشمولية والاستبدادية الأكثر خطورة هي عدم اعترافها بأن الثقافة اختيار إنساني حر ومفتوح على جميع التساؤلات، ومن ثم فإن هذه الأنظمة في إطار قمعها للفرد تعمد إلى إشاعة ثقافة تعبوية أقرب إلى الدعاية للنظام وأفكاره، وهكذا لا تنتج إلا أدبا وثقافة هزيلة، يعزف عنها الجمهور، وتدريجيا يفقد الثقة في مصادره الثقافية، وربما الثقافة ذاتها باعتبارها رديفا للزيف والدعاية المقنّعة، كما يدفع بالمثقفين الجادين إلى الانزواء، أو الهروب خارج أوطانهم للتعبير عن آرائهم بحرية أكبر. في حلقتين سابقتين تناولت القبس تحولات الثقافة والأدب في ظل الأنظمة الشمولية، متناولة الأدبين الروسي والتشيكي. وهي اليوم تقدم صورة عنها الأدب البولندي قبل وبعد سيطرة الحكم الشمولي. الأدب البولندي غني ومتنوع، لعله الأقوى في الشعر، لكنه معروف قليلا في العالم وخارج حدود بولندا. أي كان يتحدث عن السوريالية الفرنسية، وفي أي مكان، بينما لا يتحدث عن «الشاعرية البولندية» سوى بعض المتخصصين. ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن الأدب البولندي كان عليه في تطوره التاريخي أن ينهض بمهمات عديدة، وأدوار متعددة،: وطني، جدلي، ثوري، نهضوي، تنويري، إضافة إلى الجمالي،. وحيثما كان على الأدب في بلدان أخرى أن يقوم بهذه الأدوار، فغالبا ما كان ذلك على حساب الفن.
إن الأدب البولندي، خاصة الشعر، سر عظيم، لكن معرفة العالم به ونحن العرب، قليلة جدا ومحدودة للغاية، مع أنه كان دائما جزءا لا يتجزأ من شخصية الشعب البولندي وكفاحه. المراحل الأولى من الأدب البولندي المعاصر مثيرة للجدل وفقا لبعض النقاد ومؤرخي الأدب مثل بيتر كونتسيفيتش الذي حسبها منذ استعادة استقلال بولندا عام 1918، مرورا بالحرب عام 1939، ولكن معظم المتخصصين يعتبرون نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945هي المرحلة الرئيسية للأدب البولندي المعاصر، رغم أنه لم يكن موحدا، ويعكس الحالة السياسية في البلاد بعد الحرب التي خضعت لتحولات كثيرة وأثرت في خصائصه، لاسيما فترة «الجدار الحديدي» الممتدة من 1945لغاية سنة التحولات الكبرى في عام 1989 التي شملت الأدب البولندي المحلي وفي المهجر।
الإطار الزمني حسب أعراف تاريخ الأدب، فإن العصر البولندي حددته لحظات حاسمة في تاريخ العالم: الأولى بداية الحرب سبتمبر 1939 وسقوط الشيوعية يونيو 1989. ولعل الأدب البولندي تأثر كثيرا بعامل التاريخ والسياسية، ويمكن ملاحظة هذا التأثير بالتنوع الفكري والفني الغني بالتجارب والانجازات، فالأديب البولندي، في الداخل أو الخارج، فوجئ باحتلال بلاده من قبل قوات الرايخ الثالث الألمانية ومن بعدها الاتحاد السوفيتي. لذلك حلّقت القصائد المكتوبة من وراء الأسلاك الشائكة لمعسكرات أسرى الحرب، وبدأت الحياة الأدبية تحفر التربة لكي تخوض المعركة من تحت الأرض. وكتبت أعمال روائية وشعرية مهمة ومثيرة خلال الحرب: «على انهار بابل» لفلاديسلاف برونيفسكي، «دم كامل في الفم» لتيودور بوجينسكي، «الصديق» لكريستوف بازجينسكي، «غناء الجدران»، «رابسودي في وارسو» لتاديوش غاجزو، «الصدأ» لجسيش زوكروفسكي، «الحمام» تاديوش كفاتكوفسكي، «سرب 303» لأركادي فيدلر. وكانت تنشر في المجلة الكاثوليكية، «الشباب والحقيقة» التي تطبع وتوزع في السر. والغريب أن حرب 1939 أطلقت سراح العديد من المجموعات الشعرية مثل: «في ذروة الطريق» لكازيميرز فيرزجينسكي، «صلاة من أجل وارسو» لتيودور بوجينسكي، «الوطن» لجون برزشفاو، «الاتهام» لجورج بيتركيسز وغيرها. ما بعد الحرب: واقعية اشتراكية لم يختف «أدب الحرب» بانتهائها، واستمر في مدى الآثار المترتبة على الاحتلال، وما جرى في معسكرات الاعتقال النازية ومن بعدها السوفيتية. وكانت حافزا لكتابة القصص والمذكرات مثل «الأنواط» لصوفيا نالكوفسكيا والمجموعة القصصية «عالم آخر» لتاديوش بوروفسكي. ويمكن تصور تأثير النظام الشمولي على الأدب والثقافة عموما، حينما يقرر مؤتمر الكتاب البولنديين في يناير 1949، ما أطلق عليه النقد السوفيتي {الواقعية الاشتراكية» (الطريف قرره المكتب السياسي لاتحاد الجمهوريات السوفيتية عام 1934)، نموذجا وهداية وأساس الأدب الذي ينبغي أن يكتب في بولندا. بعبارة أخرى، أسس النظام الشمولي «الطريقة الخلاقة» كما يسمونها، المسار الذي على المبدعين عدم الخروج عنه، والأقمع من ذلك، شيدوا له أطرا حقوقية وسلطة القانون ابتداء من الرواية، الفيلم، اللوحة، القصيدة .. لغاية الملصق الإعلاني. وهكذا ارتبطت «المعتقدات الشيوعية» في أعمال أدبية هزيلة توصيك بعدم التأخر عن الدوام، وتوطيد العلاقة العاطفية بين الشغيلة وارتباط الإنسان بآلته أكثر من أمه الخ، من مهازل هذه المدرسة السوفيتية التي أزعجت التاريخ الأدبي لأكثر من 70 سنة. وهكذا ظهرت بناء عليها أعمال مثل «البناء» لألكسندر سكيبرو و»فحم» لكازميرز براندوز و «المواطنين» لإيغور نيفورلي، وعندما لم يجد تاديوش بوروفسكي مكانا له في الموجة الجديدة لهذا الأدب انتحر عام 1951.
اختراق أكتوبر

وأدى وفاة الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين إلى ما أسماه مؤرخو الأدب البولندي بداية مرحلة «ذوبان الجليد» التي افتتحتها سلسلة من التغييرات السياسية، ولوحظت العلامات الأولى من «"تخفيف القمع»، بما في ذلك المحاولات المبكرة والخجولة لانتقاد النظام الشمولي وتوابعه كالرقابة والاعتقال والتهميش و»استبعاد العقل لاستبعاده» وغيرها من الأساليب.
لكن ذروة التصدي لهذا النظام كانت في عام 1956 عندما عقد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي بزعامة الاصلاحي نيكيتا خورتشوف الشهير الذي كشف «جرائم الحقبة الستالينية» أو ما أطلقوا عليه «اختراق أكتوبر» وما صاحبها من تغييرات كبيرة في قيادة النظام الحاكم في بولندا وانتفاضة بوزان التي كانت استجابة لانتفاضة بودابست المجرية. أدت هذه التغييرات إلى ظهور أعمال أكثر جرأة مثل «الظلام يخفي الأرض» لجيرزي أندرزيجيفسكي و «صعود» لآفاسكفسيز و «قصيدة البالغين» لآدم فازوك و «أم الملوك» لكازميرز براندوز متضمنة السخرية والبشاعة لمرحلة القمع الستاليني. ولأول مرة بدأ شعراء كانوا مطمورين تحت الأرض بالظهور في جلسات يحضرها جمهور غفير مثل أندريه بورسا وستانيسلاف غروتشوفسكي وتاديوش نوفاك والكتاب مارك هلاسكو وفلاديمير أووجيفسكي وأدوارد ستاشير ومسرحيين وتشكيليين ومطربين آخرين. شرارة 1968 تحولات «الاستقرار الصغير» لم تمنع اقتناص الحرية التي تحب المبدعين وكانت مجرد حلم يكتبونه لغاية اندلاع احتجاجات 1967 – 1968 (أثبتت فيما بعد أنها كانت مصيرية، لاسيما في تشيكوسلوفاكيا - مارس 1968) والتدخل المباشر لقوات حلف وارسو لقمعها. ولعل عرض الجزء الثالث من «الأسلاف» بإخراج كازيميرز ديجميك في المسرح الوطني في وارسو – نوفمبر 1967 وإلغاء العرض من قبل الرقابة، فجر الأوساط الثقافية والأكاديمية وانتقل رفضهم إلى الشعب الذي خرج في تظاهرات عارمة أدت إلى الاعتقال وفصل الموظفين وطرد الطلاب من الجامعات ونفي الشعراء: ستانيسلاف بارانزيسكي وزبيغنيو هيربرت وريزارد كرونسكي وآدم زاغاجيفسكي.
المواجهة 1976 – 1989
خلال هذه الفترة، ظهر العديد من المجلات المستقلة الخارجة عن سيطرة مؤسسة الإعلام والثقافة الرسمية ( مجلات «سجل» و و«فجر» على سبيل المثال) وطبعت في الخفاء ووزعت بالسرّ ، وتبنت «الموجة الجديدة» المضادة للشيوعية ونشرت مجموعات شعرية كانت مخزنة في الأدراج مثل «أنا أعلم أنه من الخطأ» لستانيسلاف بارانسكي – 1977 و «ثلاثية التعب» لتاديش كانوفسكي – 1980 و «نهاية العالم» و «ابدأ» لأندرو سزوبيرسكي. ومع الحركة الشعبية والثورة التي قادتها «نقابة التضامن» وإعلان الأحكام العرفية (1981-1983)، انبثقت المجموعات الشعرية من تحت الأرض وخاصة «أتلانتيس وقصائد أخرى» لستانيسلاف بارانزسكي – 1981 و «تقرير عن المدينة المحاصرة» 1985 لمجموعة من الشعراء ذكرنا أغلبهم في السياق. وبرز جيل الشباب من الشعراء الذين تمحوروا حول مجلة «مشروع» وتماشوا مع روح ما بعد الحداثة الغربية والأدب الذي مثلته «مدرسة نيويورك»، منهم: مارتن سفيتلسكي وروبرت تيكيلي وجاسيك بودسيالدو وجيرزي بيليتش وبول هيلي.
أدب المنفى

قضى الكثير من الأدباء والكتاب البولنديين سنوات الحرب العالمية وبعض الحقبة الشيوعية في المنفى. وكانت باريس مركز الهجرة الأدبية البولندية منذ عام 1940. وأصدروا هناك مجلة «ثقافة» مثل غوستاف غرودزينسكي الذي ألف كتابا من الأدب الوثائقي عالم آخر (مستندا على وثائق سوفيتية) و رواية «برج». كما نشر تشيسلاف ميلوش مجموعتيه الشعرية «اسرة أوربا» و«وادي عيسى» و«الذين ظلموا رجلا بسيطا» وحصل على جائزة نوبل عام 1980. وكبادرة ومظهر من مظاهر دعمه لنقابة «التضامن» زار بولندا في يونيو 1981 واستقبله بحماس كبير في وارسو كراكوف وغدانسك ، حيث حصل على دكتوراه فخرية من الجامعة الكاثوليكية في لوبلان.
مدارس وتيارات

الاستقرار الصغير: وهذا المصطلح الأقرب من أن يكون سياسيا، دخل في تاريخ النقد البولندي حينما وصف به الحالة بعد عام 1956 لأول مرة تاديوش روزيفسكي حينما قال: «لدينا القليل من الاستقرار فلننشىء عليه الأدب»، وبدأت حالات انتقاد مظاهر الفساد والرشوة لدى السلطة والمجتمع الشيوعي.
* الوجودية البولندية: وبتأثير ظهورها في فرنسا، نشأ التيار الرئيسي للوجودية (على غرار البير كامو) على يد غومبروفسحكي وكازمير براندوز . * الكلاسيكية المعاصرة: دعا أنصار هذه المدرسة التقليدية إلى احترام «القيم الخالدة» في الأدب والفن. وأرادوا أن تبقى «الأغاني الكلاسيكية» على قيد الحياة وكذلك النسيج المتوارث في اللغة الشعرية و «ضبط النفس» في التعبير عن المشاعر ووضع مسافة للسخرية، وتميز فيها فيتسلاف ميلوش ويسلاوا زيمبروسكيا.
خصائص أدب المهجر

تميز بالمأساوية والتشاؤم الذي يطبع عادة الأدب الذي يتناول الكوارث عن بعد. فضلا عن البلاغة التي يهواها من يتأمل مستقبل بلاده. كما في المجموعة التي أصدرها تسعة شعراء بولنديين في اسكتلندا عام 1941 ومجموعة قصائد صدرت عام 1944وهي تجارب لجنود بولنديين نشرت في مجلة آسيا افريقيا وتضمنت نصوصا لماريان هيمار و آرثر ميدزورزسكي وستانيسلاف ملودوزينيس، ومختارات شعرية وأغاني من الجبهة الإيطالية تحت عنوان «الخشخاش الأحمر في مونتي كاسينو» صدرت في روما 1945 وفيها أشعار فلاديسلاف برونيفسكي وأغاني لفيليكس كونارسكي ومجموعات شعرية منفصلة لجوليان كازيميرز وتوفيم فيرزينسكي.
أما النثر فقد كان نشاطه أقل، فصدرت في لندن 1934رواية «مفاتيح» لماريا كونسيفسكوفا وفي القدس 1943 رواية «النسور» لثيودور بارينسكي و «الطريق إلى نارفيك» في لندن 1941 لكزافييه بروسزكونزكي، «السرب» في لندن 1942 لأركادر فيدلر وكذلك «من موسكو إلى موسكو» – لندن 1944 ورواية «الوقت الاحتياطي» – لندن 1945لماريانا سزوشنوفسكوفا و ثلاثة أجزاء عن الحرب لملكيور فانكوفسز: « بوخارست 1940» و «درب سبتمبر» و «معركة مونتي كاسينو».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق