الأربعاء، 25 مارس، 2009

الشاعر الأول والأخير

Arthur Rimbaud

ماذا يعني أن ينصرف مثقف وأكاديمي الى متابعة كل ما ينشر عن شاعر في غضون عقدين ليقدم إلى المكتبة العربية أهم كتابين عنه؟
كيف انشغل بذلك الإلهام ليتدخل تأويليا في عملية التأليف ـ وهو المترجم ـ ليستوي العمل تحت يديه إلى نص «تعاضد» فيه الباحث والمترجم من دون اتفاق مسبق، ليقدما لنا إثراء بلغ حده الجمالي الأقصى، كاعتراف سدد ثمن التذكرة الأولى لآرتور رامبو، حين قرر للمرة الأولى الهروب من باريس وزج في الحبس ليطلق سراحه ذلك البصريّ بعد قرن ونصف القرن بلا معرفة خاصة ابتداء من التحرير إلى العربية لكتاب بيير بتفيز «رامبو الشاعر والإنسان» من صنعاء، حيث كان الشاعر الأمهر منتميا الى قوافلها، ولغاية البحث الراقي لألان بورير «رامبو في الحبشة» وهذه المرة من الصحراء الأفريقية في ليبيا.
هكذا يقدم لنا الأستاذ الجامعي حسين عبد الزهرة مجيد كتابين فريدين كتوشية لـ «رسالة الرائي» التي أخذت رامبو إلى آخر مدى ممكن : حتى التشويش الكامل للحواس، المسببة لـ .. ومن الشعر الذي يعدّ «عزلة مخيفة، لعنة الولادة ومرض الروح» كما أطرب مرة جان كوكتو سامعيه.
ولادة أسطورة
من أين جاء الشاعر «الذي يحمل أكثر من صفة» بتعبير ألان بورير الذي قدم إلى جانب «رامبو في الحبشة» بحوثا متيقنة هي: «رامبو العرب» و «رامبو ساعة الفرار» والنشرة الخاصة برامبو «الحياة – الثر»؟ ولعل لا مثير في الأمر لو علمنا أن اسم «رامبو» مشتق من «رابو» وهي كلمة تيتونية الأصل تعني «ريبي» أو البغي. أما «ولادة الأسطورة»، فكانت في 20 أكتوبر 1854 حاملة اسم جان نيكولاس آرتور الذي سيأخذ لقب رامبو في أشهره الأولى التي زحف فيها نحو باب الدار مسجلا محاولته الأولى للهرب!


Arthur Rimbaud "Ophélie" French Poem Animation

بين التسجيل وما فوقه
وإذا كان كتاب بيير بتفيز يميل إلى التسجيل، فإن ألان بورير وإن حمل كتابه عنوانا يبدو محددا «رامبو في الحبشة»، إلا أنه – وبتوافق رائع مع المترجم – لاءم مساره الغامض ، فوق النص الحكائي، ليجبر القارئ على تأدية جهد مضاعف لأن يكون مقبولا عند التلقي وبمستوى المنهج الذي اتخذه ، لأنه لم يحول نفسه إلى راوٍ مصدّق ، ليقتل الجزء الخاص بالقارئ، بل اكتفى برمي غيظه ، لكي نتعقبه كإجراء لا مناص منه للتحقق من نظرتنا إلى الشاعر أو للذاتية (التي يتلذذ في تنميتها المتلقي عادة) والطرافة الجادة في كتابة نص غير مصنف بجنس أدبي يملك رفـّه الرسمي.


Arthur Rimbaud - Le Dormeur du val

الرائي المستحيل
لندع الكتابين يتكفلان بسرد تفاصيل حياة الأسطورة، ولننشغل فيما سطراه من هم ّ تحملناه عن الشاعر والمغامر والمتشرد والصعلوك والجائع والثائر والمراهق، البوهيمي ونزيل السجون المختلفة والمثابر المحموم والمثقف الغني ذي المزاج العنيف والمتجهم الذي بدأ الكتابة في العاشرة وتركها قبل العشرين ليغير كل شيء في الشعر الذي قبله وبعده، متحولا إلى رائد الرمزية الذي اعتقد بول فيرلين ما أن قرأ قصائده المبكرة أنه رجل في الثلاثين على اقل تقدير.
رامبو يكتب جزئيا في الشعر المجاني المميز بالرؤية المثيرة والبارعة: «أقول بأن واحدا يجب أن يكون حالما» وهو الأكثر أصالة من بين الكبار ستيفان مالارميه وبول فاليري، حيث أرسلهم إلى مركبهم السكران لينزووا في واحدة من زواياه وينثر في الرماد من كان في عام 1873 «فصل في الجحيم» واضعا الشعر في المحك.
تعلم عدة لغات: اليونانية، العربية، الروسية، الإيطالية، الإسبانية، الألمانية والإنكليزية ودرس القرآن. خدم في الجيوش وتاجر بالقهوة والجلود والمسك ومشى آلاف الأميال عبر الأراضي الخطرة من اليمن إلى أثيوبيا، نحو مصر في الشمال الأفريقي لغاية سومطرة وجاوا وقبرص وجزر الهند الشرقية متشعبا بالأديان وثقافة المحليين.
عيناه زرقاوان ويحمل وجه ملاك، بينما يداه الكبيرتان والصعبتان كمن غرز فيهما المسامير، كتبت إحداهما شعرا لم يبتكره الجنس البشري، كما اعتقد هنري ميللر خلال تتبعه خطى رامبو في زيارته لباريس في الثلاثينات وما لم يستطع فعله جيش من الشعراء ..بوب ديلان إلى جيم موريسون وديلان توماس ولم يتلاءم مع جيل غاوتير بشكل فظيع وعشرات المواهب الفذة التي ألهمها التائه في الحبشة.
ARTHUR RIMBAUD

غير أن آرتور رامبو رمى موهبته الرائعة ولم يتكلم عن الشعر إلا باحتقار. في لغة شاعرية سهلة الوصول ، هذيانات ، تاريخ للحماقات، مخترعا ألوانا جديدة للحروف لكل الأحاسيس، عارفا دورات الاضطراب العقلي المقدس بالصورة الفنية الجهنمية والوحشية البعيدة عن الحقيقة، مخترعا الزهور الجديدة والنجوم البراقة في القصيدة، مكتسبا سلطات خارقة دفن فيها خياله وذكرياته.
انه فنان وراوٍ بنى طوابقه ودعا نفسه لولوجها تاركا للآخرين مهمة متابعته مجعدا الحقيقة، أي نجاح حققه يدفع اندريه جيد لوصفه: « أنه واحد من تلك النجوم البعيدة جدا، التي أخذت منذ ساعة انطفائها بالإشراق في عيوننا وستستمر كذلك إلى قرون قادمة».

الكبير في الشعر
ودع الأدب بمخطوطة فصل في الجحيم الوحيدة التي نشرها ، كحلم باطني منتجا أسلوب الحياة الأنانية والهلوسة. واقعي جيد لو أراد من الواقعية الشيء الكثير، مستغفرا من الأكاذيب، لابد أنه كان مجنونا؛ فاسدا روحيا ومخربا لحياته محدقا في الفضاء حاملا ذاكرة الفزع، مستسلما للشعر، فاطما نفسه ، أية حياة تبقى: متكبر حاد كبصيرته، معتزل بسحرية سرية، مثال بارز للجمال الخلاق مثير للاهتمام ،، عرّاف يستنزف كل السموم، هائل ومعقول، الواصل إلى المجهول بقصيدته «عاصفة من البحر» التي يتتبع فيها صراخ الأميركيين الأصليين واضطرابهم في الأعاصير حتى يصل منهم لوح خشبي مشبع بالماء ، القصيدة الأعجوبة وواحدة من أكثر روائع القرن. الصائغ الأمهر للمذهب الجمالي ، محطم القيود ، إيحائي وفائق الانسجام والوصف واللاعب المذهل بين اللغز المحير والاقتراح المثير وبضربة واحدة يشرك القارئ عاطفيا معه بالبلاغة المطلقة والإصرار غير القابل للتقليد والعنف المخادع والصورة ذات النغمة.
The Great Poet Of The Times

الكبير في الصمت
لكن رامبو يصمت لسبع عشرة سنة حتى وفاته، طارحا الأسئلة الرئيسية عن الكتابة بطريقة شديدة الصفاء، وبها يبلغ وجوده المجهول والفردي وهي «العالية» التي تحدث عنها إيف بونفوا وجاكلين ريسيه: « علينا أن نتأمل بعناية تعارض مثل هذا الصمت، الذي يبدأ متقطعا، ثم صار نهائيا مع صمت البلاغة العميق».
يقول عنه مورياك: « إنه من ذلك النوع الذي لا يكلف نفسه حتى الالتفات والنظر إلى آثار قدميه التي تركها على التراب وهو طفل» ، كأنه يشعر دوما بالاندفاع و «الرغبة الغامضة في التلاشي» التي يتحدث عنها فيكتور سيغالين، فالعالم ينفتح في شق بين الغيوم.
هناك في الحبشة اسمرّ بالشمس وضعف بالحمى ، قليل المال، لا مهنة ، لا درجة ، لا تدريب ، لا فرص ، لا قراءة .. هكذا أكمل حياته: «كل الذكريات القذرة تختفي.. عند الفجر» وبصبره المحترق يدخل المدن الرائعة. يقول نوفاليس «الشخصية هي القدر» وشخصية رامبو تعادل ضربا خاصا من لوم العالم، لكنه لوم ينفث به عن غضبه، مساقا بظمئه إلى المطلق ، فأدار ظهره للأدب وواصل سعيه في الصحراء .. مرة واحدة، وإلى الأبد وضع رأسه في القماش الأسود للصندوق المظلم ليرى العالم من حوله.
ولم يكن للشاعر التعيس أن يلقي نظرة خاطفة على مجده ، كما لم يعرف أبدا أنه آرتور رامبو.. تقول إينيد ستاركي: « لم يكن رامبو قادرا على تحمل الحياة بعلاتها، ولم يحتمل شروطها، فكرهها لأنها لم تأت على مخيلته». لكنها الأرض؛ صماء بكماء ورامبو يمضي، في رسالة كتبها فيرلين إلى ديلاهاي يصفه فيها : « مغلق تماما في أعمق أعماقه، مسدود من كل الجوانب، لا يتنكر فيها غير غروره الجبار، فيظهر شخصا آخر، أكثر ذكاء من حقيقته»، التي أدركها رامبو: «للشاعر أن يعرّف الكمية المجهولة لزمنه، والتي تستيقظ في الروح الكلية».
وكما بتر ساقه، قال مالارميه: « لقد بتر رامبو الشعر عن جسده الحي».
في ديسمبر 1891 مات رامبو من الألم « كأنه إيكاروس في هبوطه من السماء في لوحة بروجيل» بعد أن جاس لعشر سنوات أرض أثيوبيا وكأنه «نكتانبو، آخر فرعون يـُطرد من ممفيس، فيفر إلى مملكة الجن ولا يعود» كما كتب في وداع « فصل في الجحيم»: بين الغرباء الذين لا عمر لهم .. قد أموت هناك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق