الثلاثاء، 24 مارس، 2009

Teatro alla Scala


يتمنى أي مغني أوبرا أن يرتقي خشبة مسارح مثل 'متروبولتين' الأميركي و'بولشوي تياتر' الروسي و'تياتر فيينا' النمساوي، ولكن قمة الفخر يمتلكه المطرب أو المجموعة الفنية وكبرياء تصهره في تاريخ الفن وتكتب اسمه في اللائحة الذهبية ما ان تتكرم له الحياة بفرصة الصعود الى أكثر مسارح الأوبرا تميزا في العالم والواقع في مركز ميلان والذي لا يخطئ أحد في تسميته: آلا سكالا!
تأسس برعاية الامبراطورة النمساوية ماريا تيريزا كبديل للمسرح الدوقي الملكي الذي التهمته النيران في 26 فبراير 1776 وكان يوجد في ميلان حتى ذلك الحين بيت للأوبرا. صممه أهم معماريي عصره جيوسيب بيرماريني وافتتح في 3 أغسطس 1778 بأوبرا أنطونيو ساليري المسماة L'Europa riconosciuta والتي كتب كلماتها ماتيا فيرازي. ومنذ تأسيسه كانت تضيئه الشموع حتى دخلته منظومة الانارة بالغاز في عام 1860 حينما توسطت قاعته ثريا كبيرة.
ارتبطت المرحلة المبكرة من المسرح بالأوبرا الكوميدية 'النابولية' التي كان من أبرز روادها جيوفاني بايزيللو 1740-1816 ودومينيكو كيمارسا 1749-1801، وتطور المسرح بالتدريج على يد كبار الموسيقيين والمطربين في ذلك العصر وكانت ذخائره تزداد مع مرور السنين بأعمال فرديناندو بايير وجيوفاني سايمون اللذين نقلا المسرح من مرحلة الأوبرا الكوميدية الى الأوبرا الرومانسية وكانا الممر الذي برز فيه غيواشينو روسيني الذي شيد بأعماله الخالدة الأوبرا الملحمية الايطالية في أعمال لا يزال المسرح يعرضها حتى اليوم. وبعد هذه المرحلة تمكن سلفادور فيغان وكارلو بلاسيس من افتتاح مرحلة الباليه وتسيده بتوظيف موسيقى ولفجانج وأمادويوس موزارت. ويمكن اعتبار عام 1825 بداية ظهور الأوبرا الجدية على يد غايتينو دونزيتي الذي امتد عرض أعماله الجديدة لغاية عام 1850 ولا بد من ذكر السوبرانو ايزابيلا وبيلوس تيريزا وباستا جيوديتا وغيرهم من نجوم ذلك الزمان الثري الذي أنجب الفرنسي ماريوس بيتيبا 1822-1910 الذي لم ينل أحد مثل شهرته في ذلك الوقت قبل نقل نشطه الفني الى سان بطرسبورغ حيث قدم باليه 'بحيرة البجع' لتشايكوفسكي تبعه فيردا بأداء أوروبي لأوبرا عايدة التي قدمت في آلا سكالا لأول مرة عام 1872.


تمر السنون المعطاءة ليصبح أرتور توسنيني المدير الفني للمسرح ليقوم باصلاح جذري له سواء في سماته التنظيمية أو علاقته بالجمهور، علما بأنه كان أعظم قائد اوركسترا في زمانه.
وما ان اقترب حلول القرن العشرين كانت الواقعية الموسيقية سائدة بالأعمال الرئيسية لبيترو ماسغاني وفرانسيسكو سيليا وأمبيرتو جوردانو وغيرهم ممن نظموا الحركة الموسيقية الجديدة وفسحوا مجالا للمسرح لاستقبال الملحنين الأجانب.الحربان العالميتانكان لاجراء تحويل المسرح الى عهدة مجلس مدينة ميلان أثره في انقاذ المسرح من أزمته الاقتصادية التي تفاقمت عام 1917 بسبب الحرب العالمية الأولى وتحويله الى بلدية ميلان ضمن تمويله السنوي واعطاء زخم مادي لنشاطه ودفق لتجديده الكامل وتزويده بالتقنيات الحديثة.
وفي الحرب العالمية الثانية وفي عام 1943 تحديدا تعرض المسرح لقصف مؤثر أتلف الكثير من أجزائه ولكن أعيد افتتاحه بعد انتهاء الحرب في 11 مايو 1946 وعاد نشاطه الفني بسرعة بفضل فيتوري فينزيني الذي كان قد طرد من المسرح عام 1938 بسبب قوانين موسوليني العنصرية والعرقية وعاد الى قيادة الأوركسترا لغاية ظهور الموسيقار جيدو كانتالي عام 1948 ليؤسس نفسه كواحد من أهم قادة الأوركسترا في العالم بعد الحرب وهي المرحلة التي قدم فيها المسرح المطربة الخالدة ماريا كالاس بجانب كبار لا يقلون شأنا عنها أمثال ريناتا تيبالدي وجيوسيب دي ستيفانو وماريو ديل موناكو.


أنه تاريخ طويل وغني بالعمالقة الذين لا يمكن التوقف عند انجازاتهم جميعا، ولكن من المهام التأكيد مرة أخرى على أنه لم يخلق في هذا المجال الفني مبدعا مهما كان واجبه وتخصصه، الا ومرت أعماله على هذا المسرح - المؤسسة.
تحول سكالا في عام 1997 الى مؤسسة مستقلة مهمتها الارتقاء بالثقافة الموسيقية في العالم واعتمد على ما يدفعه الجمهور في شباك التذاكر وعائدات متحفه المهم. وجلب المسرح أرباحه الخاصة ليس بفضل الشباك الذي كان غاصا بالناس على الدوام فحسب، بل بفضل ما عرف ب 'الثقافة التجارية' التي داهمت المجتمع وادارة المسرح التي بادرت في هذا المجال خاصة عندما تحلق الفرق الخاصة به لتقدم أعمالها حول العالم. وأدى هذا التحول الى خلق نظام جديد للمسرح ارتبط بالاستراتيجية الثقافية التي ارتبطت بالانتاج والمنتجات التي يعرضها المسرح للجمهور الى جانب المطبوعات والشرائط الموسيقية والأفلام والصور والأفيشات التي تباع في محلات المسرح الخاصة.المتحف افتتح المسرح في 8 مارس1913 بعد شراء المجموعات الثمينة من التاجر الأثري الباريسي جولز سامبون.


والقصة بدأت قبل هذا التاريخ بسنتين عندما اجتمع قادة المسرح، وهم الشخصيات الأبرز في ميلان، ودعوا الفنانين والمثقفين في المدينة الذين يربطهم الحب والاعجاب الكبير بالمسرح لتزويده بكل ما يملكون من متعلقات الفنانين الذين وقفوا على خشبته منذ سنواته المبكرة. ونظموا مزادا لهذا الغرض وبمساعدة الحكومة و50 مثقفا وفنانا تم افتتاح المتحف في التاريخ أعلاه بعد أن جمعوا ما باستطاعتهم في غضون سنتين من العمل المثابر.
أعقب افتتاح المتحف التبرعات التي أضافت اليه الكثير من اللوحات والمقتنيات الخاصة كالآلات الموسيقية التي عزفت عليها أول أوركسترا والقيثارات والسناطير والأعواد والفورتوبيانو العائد لفيردي الذي لا يزال منتصبا في الصالة الرئيسية للمتحف الذي تزخر جدرانه بمختلف الآلات الأثرية مع تماثيل كاملة ونصفية لكل الملحنين وقادة الأوركسترا وكتاب الأوبرا منذ القرن الثامن عشر ولوحة للمصمم بيرماريني الذي لبى طلب امبراطورة النمسا تيريزا ببناء المسرح.


تعلق الآلات على السجادات الشرقية بلا تكلف وثمة صندوق خشبي عليه كمان وقيثارة وبجانبهما بيانو وقوس ونوتات كبار الموسيقيين بخطهم، وتنزلق موجات الضوء على الألوان الباقية من عصر الرواد الأوائل وتشكيلات الرسامين الذين لاحقوا تعبيرات المشرقين عبر كل الأجيال.
يمكن التملي بكتابة القرن السابع عشر اللاتينية وصور صناع الآلات الموسيقية وفوقهم لوحة لأول كورال نسائي أطرب جمهور السكالا.
لندخل الى غرفة كرست لكوميديا dell'Arte التي قدمت بين القرنين السادس عشر والثامن عشر حيث كان الممثلون يرتجلون الأغاني والحركات البهلوانية، وتوثق نقوش جاك كالوت الحيوية مسارح الشوارع والميادين التي انتشرت في ذلك الزمان والتي جمعها مسرح آلا سكالا تحت قبته الرائعة، وفي الجوانب ينتشر الخزف الذي نقل من أشهر مصانعه في أوروبا والصين واليابان بالخيال الذي يبثه وجمال ألوانه وواقعيته، وليس بعيدا، في الممر يمكن مشاهدة الأوسمة النادرة التي منحت للفنانين والملحنين، وهناك الأقنعة و 170 قطعة من السيراميك والآلات الشعبية التي كانت تحدد ايقاع الرقص.
سينقلك المتحف للوحات المغنيات الرائدات للأوبرا وسماء قصائدهن الطويلة وذلك الأداء المبهر لايزابيلا كولبران ببدلتها الياقوتية لدزدمونة وماريا مالبران معشوقة جماهير سكالا وتنهدات جيوديتا باستا التي أدهشت الناس بعمر العشرين وكانت تستنزف نفسها جسديا في الأداء مما جعلها الأشهر في أوروبا ونصبها تاريخ الغناء في المقدمة وفخامة مدير الرقص سلفادور فيغان ودوره المجيد في تقديم أوبرا روسيني ولمساته الأولى التي أعطت الاشارة الى تجديد فن الأوبرا.

ستقدم الصورة الصارمة لأكيلي سكاليس نفسها بنظرته المتجهمة التي تنظر بعيدا الى الأمام تماما كما كان يفعل في تدريب الممثلين والمغنية الشهيرة في منتصف القرن التاسع عشر اديلينا باتي والهدايا التي منحها اياها نابليون.
نحن الآن في قاعة القرن العشرين حيث تواجهنا لوحة لودفيكو بوغليافي وقادة الأوركسترا ونجمة كل العصور ماريا كالاس.
استراحة حيث يلعب الارستقراطيون الورق والروليت والنرد وألعاب أخرى بين الفصول كان في مقدمتهم أرشيدوق النمسا فيرديناند الذي أصدر مرسوما منع بموجبه بعض الألعاب في المسرح وكعادة الأرستقراطيين وضع الأرشيدوق بعض الاستثناءات على الألعاب التي يحبها أو يجيدها.
لا تزال طاولة النرد ذات المربعات والعائدة للقرن التاسع عشر تسرد أولئك الرجال القادمين من الأراضي البعيدة للاستماع الى أوبرا أو الموسيقى، ويتجولون في مكتبة ليفيا سيموني التي تعد ارثا لا يقدر بثمن لمسرح آلا سكالا بأكثر من 140 ألف كتاب عن المسرح ونصوص الأوبرا والباليه الأولى في الانسانية ومجلات الأوبرا والباليه ورسائل الموسيقيين الأكثر شهرة، وهناك كذلك المغنون وراقصو الباليه والممثلون والحدادون والنجارون الذين كانوا يبنون الديكورات المذهلة ومصممو الأزياء والخياطون والنحاتون وكل من وضع لمسته على هذا المسرح الخالد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق