السبت، 17 مارس 2012

أخطاء شائعة

الجميع يرونه يبتسم
بعضهم يبتسم معه
والآخر يظنه أبلها
لكنه في كل مرة
كان يبكي.

الجميع يظنون
أن المنتحرين يهربون من العناء
ويهوون الموت
لكنهم في كل مرة
يركضون نحو الحياة.

الجميع يشاهدونه محبطا
ويتلمسونه كئيبا
وبطبيعته
يؤلف النكات في الخفاء.

الجميع يأمل قبل الموت بلحظات
أن يتذكر أجمل ما جادت له الدنيا
لكن كل المحتضرين
يشغلهم على نحو أكبر
المستقبل.

الجميع يشعرون بسعادتهما
المحبان الباديان في منتهى المرح
لكنها حُسن إدارة صغيرة
لكي يتحمل بعضهما البعض
ويتقبل جحيم الآخر.

الأحد، 19 فبراير 2012

سـُقم



ليس الذي تثقل فيه القدمان
وتنهار الأسنان
ولا الذي يسكن فيه الخريف تحت الجلد
ولا تفرق فيه بطاقة الذهاب عن الإياب
لا الفراغ الدائر في النوافذ المغلقة
ولا الغبار المارق في الأفئدة
وانفصام أجمل الذكريات
هو فوق الصوت الكئيب المفتت في العمى
ليس فرعا من الموت
وقسطا من اليأس
وجزء من الدموع المزنـّرة
أن أرذل العمر
هو الذي لا تعرف فيه كيف تحب।

Dalida & Serge Lama - je suis malade


الثلاثاء، 14 فبراير 2012

من الخزائن القيمة لـ Amy Winehouse


المولودة لكي تتعذب وتصهرنا في الربيع


كأنك لا تقيمين في جسدك
لمتراكم فيه الألم كمياه تعدو
هو لسانك المقطوع
في بهائك المغطى بالعصافير
كفراشة منحوتة من أجل الموت
تمضي أذرع كلامك
لجذورنا المفروضة
مغطية ذلك البرّ .. الذائب
بالعبارات السائلة كالتجاعيد

من ذلك الليل الضائع
يبرق صوتك كالصمت مرة
وكالضياء مرات
لتفتحي ندب الهواء
في جناحيك
ولتتحولي
إلى قفزة ريح
تنقذ الماء الناشف في حلوقنا

اختتمي
الأغنية المنسية
واختبئي في الشفاء

من أوجاع فروغ فرخزاد


إلى أحلامها الباردة والهادئة الممتدة عبر الليالي والحمائم البريئة

لنؤمن ببداية فصل البرد


أنا عارية كالصمت بين كلمات الحب،
وكل جراحي منبثقة من الحب،
من أن أحب...
هل سأتمكن من أن أمشط شعري من الريح مجددا؟
هل سأتمكن من زرع زهور الثالوث في الحديقة مجددا
وأضع أزهار برة الراعي في السماء خارج النافذة؟
هل سأتمكن من أن أرقص على أكواب النبيذ مجددا؟
هل سيناديني جرس الباب مجددا نحو صوت مرتقب؟

كم كنت محبا عندما حملتني إلى
مروج الحب
عبر ظلام قامع
إلى أن أنسدل ذلك الدخان المندفع،
والنفس الأخير للعطش الملتهب
فوق حقل النوم.
وتلك النجوم الكرتونية
دارت حول الأبدية
لمَ أطلقوا على الأصوات اسم النطق؟
لمَ رحبوا بالنظرة في منزل الرؤية؟
لمَ حملوا اللمسات
إلى شعر العذرية الخجولة؟
انظروا كيف صلبت هنا
روح شخص تلفظ بكلمات
شخص عانقته نظرة
شخص هدأت قبلاته المتحفظة
على مشنقة الهواجس
وكيف انحفرت
علامات أغصانك الخمس
التي كانت كحقيقة من خمس كلمات
على وجنتي.

عندما ينام الربيع مع السماء خلف النافذة
بأسهم ضوء خضراء
ستزهر الأغصان، يا أعزّ حبيب
لنؤمن ببداية فصل البرد.

تلك الأيام


وكان الحب
يعبر عن حاله في سلام خفر
ذلك الشعور المضطرب
فجأة
كان يحاصرنا
في ظلمة رواق وتتجاذبنا
وسط غمرة من اللهاث الحارق وخفقان القلب
والبسمات المختلسة

وداعا

أقسم بأن أخرج من مدينتك
قلبي المجنون
آخذه إلى مكان بعيد
كي أغسله من صباغ الخطيئة
أغسله من لطخة الحب

عصيان

تعال أيها الرجل، أيها المخلوق الأناني
افتح أبواب القفص
كي أرخي جناحي
وأطير صوب سماء الشعر الساطعة

منسية

نظمت قصيدة كي أرفع عن قلبي
حمل أسى حبه الثقيل
أصبحت القصيدة
تجليا لوجهه
لمن أشكو
ظلامة حبه

يا نجوم

نعم، أنا التي في عز
هدأة الليل
أمزق رسائل الغرام
مضى بعيدا، إلا أن حبي له
لن يفارق قلبي أبدا
يا نجوم، ماذا جرى
كي يتخلى عني؟

النافذة

الأحلام دائما ما تقع من على
سذاجتها وتموت.
ها أنا أشتم نبتة برسيم من أربع ورقات
نمت على سطح قبر المبادئ القديمة.
أولم تكن المرأة التي تحولت إلى غبار
في كفن انتظارها وطهارتها
شبابي؟
هل سأتمكن من أن أتسلق مجددا سلالم فضولي
لأحيي الإله الطيب الذي يمشي
على سطح منزلي؟
أشعر أن الوقت قد غفل عني.
أشعر أن "اللحظة" هي حصتي
من أوراق التاريخ.
أشعر أن الطاولة حاجز غير مرغوب
بين شعري ويدي
هذا الغريب الحزين.
قل لي شيئا.
أممكن أن يكون الشخص
الذي يعطيك حنان جسد دافئ
يريد منك شيئا آخر
عدا الشعور بالحياة؟
قل لي شيئا.
في ملجأ نافذتي
أنا متصلة بالشمس.

أنا محبطة

أنا محبطة
آه كم أنا محبطة.
أتوجه نحو الشرفة وأمد أصابعي
فوق جلد الليل المشدود
والمصابيح المربوطة مظلمة، آه كم هي مظلمة.
لن يعرفني أحد إلى نور الشمس
أو يرافقني إلى اجتماع عصافير الدوري.
احفظ الطيران،
فالعصفور فان.

* تحية إلى مايكل هلمان وبولس سرّوع اللذان احتفيا بـ "المرأة الوحيدة" قبلنا.

مرة ً كلّ حب



هندسة الهوى أميبية
لكل فرد فيها متاهته
وجينوم أسطره
فلنتعقب أيـّا من زَبدِها
مُذاب خط ّ العشق
في منقلب الكفّ:

الحب الرحيم :

سرّهُ باهرٌ كالسرّاء والضرّاء
والمحكوم عليهم بالحياة
كقارئي المراكب في هدأة البحر
وضّاح عديم النسمة
حملٌ زائد على دراجة القلب
جياد مشتتة الذهن
وحرث في ثلج مرصوص
مقروء كمرض شهير
ومكرر كالنوم.

الحب الواهي :

لا يأمل إطناب
يجاري عطشه بامتداح الضآلة.

الحب الصافي :

انقيادي البريق ومحض موازين
نبوءات طافية ترضع بحثا
عن مفتاحها.

الحب الخامل :

يتمادى في حين
ويصعق في آخر
لكنه على طول المسار نموذجا للغياب.

حب الإغواء :

متواصل كالماء
مخاتل كوريد متقد
سيد الرهافة ومنتزع العبثية ومروّع اللمعان
قهـّار يتكاثر في الاستعباد
مخمّر من رماد
وإليه يعود.

حب الحب:

ويسمونه أيضا الحب من طرف واحد ؛
صاغر وكريم ومؤدب ومسكين
يبدل ملاءاته كل دموع
مؤرق ومؤجل وجائع ومهووس بالبحث
محبون الحب يهوون التظلم والسهر
ويظنون أنهم سيفقدون حبهم ما أن يناموا
لذلك تبقى عيونهم مفتوحة
متأملة مقدم الحبيب
حتى يموتوا باستسلام.

الحب الخادع :

أزلي ومحفوف بالنهود والأرداف والأعضاء الجائحة
معطوب بالشبق غير الصبور
دنس ومسخ ومربك القلوب بالحل البسيط
وناعم كمسألة مرسّخة.

الحب الصامت:

أعمى لا أحد يساعده على عبور الشارع
وحيد لا من يلمس كفه
غريب ليس لديه من يلجأ إليه
عاجز لا قدرة على فعل شيء
نزيف مستمر أمام المرآة.

الحب الأكبر:

لا يؤمن بالاتجاهات
خفقة واحدة تكفيه
لكي ينجّي العالم
ويا ويح شهيقه
لو كان أعمق من زفيره
يحمل : ضمير الكناري ونوبة الشياطين وأسمال الأشداء وأنفاس الريف والتميمة المنوّمة وحلوى العجائز وجرعة الجرحى وتقويم القمر وذاكرة المغفرة وحرارة العدوى وضوء العين ووحدة الحضن وغيرة الأزواج وتناسق الافتراض واسم العتمة وكرم الفراشة والصمت القلق وتحضر النواح وحكمة المحن وتراضي الأمراء وخجل العذراوات وهذيان الصوفيين وخبرة السكيرين وعدوانية المتغطرسين وسماحة العاهرات وإدراك الأعشاب وحنان الأبقار وجنون الكبريت.

من جرّب كل أنماط الحب المذكورة
سيلقى الضريح الجميل
وكل الذين أحبهم
سيبدلون أثلامه
ويهوّنون عليه برودة الأرض
وسيقص على جيرانه الهادئين
حكايات عشقه
ويوم عرسه الأخير.

الجمعة، 3 فبراير 2012

نص الوحيد


الوحدة الحقيقية
أنك بعد أن أمضيت حياتك كلها
اكتشفت الآن وبعد تلاشي السبل
أنك وحيد।

حزنه الذي لا يوصف
بسبب الذكريات الرائعة التي تبددت
ولم يستطع إمساك لحظة منها।

ستتأكد من العزلة
عندما الباب لا يئن
بمرور العابرين
والمحركات تزأر رائحة غادية
والهاتف مجرد قطعة معدنية

وتنمو معك كل يوم آلام جديدة

والعصافير وحدها حولك تزيد।

مقذوفاً في المشرحة
سيلتقطك العمال مثل كيس

مع ما كنت تحمله
في يقظتك।

بعد أن دفنتهم جميعاً
الجميلون.. الرائعون.. الأثيرون
أدركت أن الموت يعشق الجمال।

مع حلول الموت
لا تحدث مفاجآت مفزعة
فحين نقابله سنتيقن وقتها
أننا كثيراً ما كنا ميتين. في الحياة।

حينما تكون في الموت
ستدرك منذ اللحظات الأولى
كم أسأت الظن فيه।

لا شيء سيتغير
حتى لو لم تكمل استعدادك
لا متعلقات هامة لديك على الأرض
مشطوب من سجلات التقاعد
ومسجل في دفاتر بعض الفنادق
حتى في نصوصك أنت غير موجود
فامض. قدماً إلى الموت
بلا التفاتة للبائسين الأحياء.


PERFUME


نموذج للسينما الحسية متكيف بعطر باتريك زوسكيند الرواية الأكثر رواجا في العالم منذ صدورها عام 1985 والمترجمة إلى 45 لغة والتي باعت 15 مليون نسخة حتى الآن. المدرسة السينمائية التي تحاول الغور في الأحاسيس ومس الوجدان وتحفيز المعرفة والعيون والآذان وإبقاء كل حواس المشاهد على المحك مع خدشها بلا رعاية أو رحمة. شاركت في إنتاج الشريط البالغ طوله 147 دقيقة ثلاث دول قدمت الكثير إلى السينما: فرنسا، ألمانيا وفرنسا، اختارت توم توكوير لإخراجه وإدارة البطل المثير لرواية العطر جان باتيست غرنوي الذي وصفه المؤلف منذ الأسطر الأولى بأنه أحد 'النوابغ الأوغاد' الذين برزوا في القرن الثامن عشر في فرنسا منتميا إلى أكثر الكائنات 'نبوغا وشناعة' واضعا إياه مع رجال مريبين آخرين هزوا عصرهم مثل دوساد وسان جوست وبونابرت وغيرهم. وكان المطلوب من توكوير أن يكون أكثر جدية في التعامل مع غرنوي (الممثل البريطاني الشاب بن واشوا) عنه في أفلامه السابقة، لأنه سيواجه شخصية ولدت في جو لاذع بروائح القرن الثامن عشر التي لا يتصور أي إنسان من عصرنا الحديث مدى نتانتها التي تفوح من الناس والمدافئ والمدابغ والشراشف والغرف غير المهواة والمباول والمسالخ والأفواه والأنهر والساحات، فالإنسان حسب زوسكيند لم يكن قد توصل في ذلك الزمان إلى وضع حد للتفاعل التحللي للبكتيريا، ولذلك لم يكن ثمة تفتح أو فعالية بشرية بناءة أو مخربة من دون أن ترافقها رائحتها.

مطر الأزهار الذي يذهب بالعاطفة إلى العاطفة والروح إلى الروح

ضفدع في 'مقبرة الأبرياء'
وفي باريس حيث كانت الروائح على أشدها وخاصة الجهنمية منها في 'مقبرة الأبرياء' التي ضمت موتى ثمانمائة سنة وعليها بالذات أقيمت ساحة السوق الذي ولد فيه جان غرنوي (في لهجة تلك الأوقات يعتقد أن اسمه يعني: الضفدع) في أشد أيام السنة سخونة حينما كانت والدته الواصلة إلى منتصف العشرينات والتي لم تعان من أمراض جدية عدا النقرس والسفلس والسل الخفيف، تقشر السمك الذي طغت رائحته على الجثث وكان الألم قد أمات عندها أي حساسية تجاه الانطباعات الخارجية للوجود، فاستلقت مثل سمكاتها المكومات لتضع مولودها جان كما لو كانت تتبرزه، كالمرات الأربع السابقة التي ولدت فيها تحت عربة السمك وألقت بأولادها مع نفايات السمك في نهر السين، لكن قدرها والحر الشديد ساعدا جان على الصراخ المتواصل الذي جلب أنظار الناس والشرطة في وقت كانت أمه قد قطعت مشيمته بسكين السمك. وبناء على القوانين السارية فقد اتهموها بجرائم القتل بحق أطفالها وعلقوها في مشنقة جاهزة، فيما كان الرضيع يصرخ بين أحشاء السمك والذباب ليمنح إلى مرضعة اشتكت من جشعه في مص حليبها دون أن يترك نقطة واحدة للرضع الآخرين.
للواقعية السحرية نسق خاص لا تصلح بالحسابات الواقعية المنضبطة حتى لو قدمتها سينما مذهلة

محنة المؤلف ومتاعب المخرج
وعلى توكوير تصوير كل هذه الفواجع في أقل من عشر دقائق مستعينا بأسلوب تقليدي ورث في السينما وهو صوت الراوي (أداء شون باريت الذي كان يصرف الانتباه بدلا من تركيزه بتلقينه المعلومات السهلة اختصارا للزمن وحذف الكثير من مقاطع الرواية لأغراض إنتاجية والتخلص من ديكورات صعبة التنفيذ، وكان يقرأ مقاطع مجتزأة من الرواية وكان عليه أن يوضح للمشاهد الذي لم يقرأ الرواية بان جان غرنوي لم يحمل أي رائحة وله قابلية على شم الروائح عن بعد كبير وتمييزها بشكل لا يستطيع مخلوق على ذلك.


السينما لا تستطيع أن تكون كل شيء في آن واحد وأن تحتل كل مستويات القوة في الأدب

ستتوالى متاعب السيناريو الذي شارك المخرج في كتابته مع السيدين بيرند ايشنغر وأندرو بيركين، منذ اللقطات الأولى حيث قدم غرنوي وهو في السجن مسحوبا إلى المقصلة وهو حدث يمهد للخاتمة، وبعد أن بدأ الفيلم بهذا المشهد نسي المونتاج والإخراج وكاتب النص السينمائي ربطه مع أجزاء الأفلام الأخرى، بل وأهملوه معتمدين على فطنة من قرأ الرواية وهو المشاهد الأتعس حظا بين الحضور في قاعة السينما، لأنه سيدرك منذ البداية السبب الذي جعل باتريك زوسكيند يعترض ولا يوافق على تحويل روايته إلى السينما منذ منتصف الثمانينات حتى تمكن صديقه المنتج الألماني بيرند ايشنغر من انتزاع موافقته الذي اختار العزلة وإنتاج الفيلم عام 2006 على الرغم مما قيل أن زوسكيند كان يفضل جهود: ستانلي كوبريك، فرانسيز فورد كوبولا، مارتن سكورسيزي، تيم بيرتن، كورت كوباين، ريدلي سكوت أو ميلوس فورمان، إلا أنهم جميعا رفضوا إخراج الفيلم لمعرفتهم بالمتاعب التي تنتظرهم في الرواية، وهو الإغراء الذي لم يضعف أمامه اللاتيني الأمهر غابريل غارسيا ماركيز الذي رفض عروض أكثر إغراء لتحويل روايته 'مائة عام من العزلة' إلى السينما.
سقط الفيلم لأنه موجه للمثقفين لكنه ضئيل الثقافة وطرزّ وريقات من الرواية وحرفها

الواقعية السحرية
وتذكرنا لهذه الرواية متعمد لأنه يستند إلى الواقعية السحرية التي لها نسقها الخاص الذي يصعب على السينما تجسيده، إن لم تكن حجر عثرة للدال والمدلول والتصاق الشخصيات وابتعادها بعضها عن بعض كما مع الآخر والأشياء المرئية منها وغير المرئية والثنيات السرية في بناء الشخوص والعالم خلف الجسد والحركة الفيزيائية له والجوهر الفاعل خلف الكلمة، ذلك الذي يمتلك المعنى الأكثر مملوكا من المشاهد - القارئ والذي لا يتكلم عنه، بل يكلمه أو يتكلم وفقا له أو يتركه يتكلم، مخترقا داخله نحو فضاء وعي مرتبط بنسيج كلمات لا يستطيع فن السينما بالرغم من رقيه، نقشه أو تبادل الأفكار معه ولن يستطيع خلق الأبعاد الكاملة للكلمات التي حدد الأدب وحده مسافتها ومداها.



قوة الأدب وأسلوب السينما
هنا سقط الفيلم لأنه موجه للمثقفين ولكنه ضئيل الثقافة وأمعن في تطريز وريقات من الرواية وتحريفها حسب فهم وأسلوب السينما التي لا تستطيع أن تصبح كل شيء في آن واحد وأن تحتل كل مستويات القوة في الأدب، فالحذف والإضافة وتغيير المسار والرؤية ستبطش بالمعنى والجوهر الذي خلقت من أجله الرواية، وكما يلتهم آكلو لحوم البشر في نهاية الرواية والفيلم جان غرنوي، فقد مزقه المخرج والسيناريو إربا وأنكر عنه أهم صفاته وتخطاها ليقدم قاتل فتيات شاحب ومهووس ونحيل ويهوى شم العطور.ومن دون تساهل خلط الفيلم عناصر لا يمكن التلاعب فيها ومزجها وأفرغ، بل وانتزع تلك الصعوبة اللذيذة للوضع المكاني ـ الزماني لفرنسا تلك الحقبة وأسطورة جان غرنوي المشيدة على الإبهار المطلق والمنظر الخاص المشتق من نفسه وحده وامتلاكه إياها مع تعاليه واحتقاره لكل ما حوله، فليس لديه نظرتنا حينما يسلخ قط كبير صانعي العطور في باريس جوزيف بالديني لإكمال تجربته التي هي أهم من هذه 'الروح' الشبيه له والقتل بالنسبة الى الآخرين جريمة بشعة، لكنها بالنسبة إليه مجرد خبرة ممنوعة بعد إنجازها يحقق هدفه وشخصيته بإنتاج عطر لا مثيل له، هو في الحقيقة رائحته المفقودة وشخصيته وإنسانيته التي قطعت بسكين تنظيف الأسماك في ناصية عفنة من 'مقبرة الأبرياء'.

Laura's perfume

بيضة الشيطان
هذا التعيس جان، المولود بين أحشاء الذبائح، شجع النقاد على إحالة حكاية زوسكيند إلى أسطورة 'بيضة الشيطان'، لقد أراد تعويض فقدانه للرائحة الذاتية لخلق رائحته الخاصة بمزيج من العذراوات كتنقية لسلطته وفهمه الخاص للحياة التي تبدأ لديه من الرائحة.ومن قال إن الجرأة تنهض بالسينما دائما وهل أن المشاهد المركبة تنفع بالضرورة؟ وإذا توافرت عناصر الصلب هل سنحصل على حكاية السيد المسيح كما حاول مشهد ساحة الإعدام الذي انتهى بسيل الحب؟إن الفيلم مظلم ومظلم جدا ومركز على هوس وحيد، قد لا يستطيع المشاهد تحويل بصره عن بعض الصور المريعة، لكنه لن يقدر على التوقف عن مراقبة الرعب والسحر الذي يحمله حاصرا الخيال لمهمة الاستدعاء.


أمثلة التحريف
ويبقى الشيء الوحيد الذي لا يغتفر ولا يمحو عيوب الفيلم هو عدم وفائه للرواية وخاصة قضيتها الجوهرية والحوادث العديدة التي حذفت وتلك التي مروا عليها بسرعة فائقة لم تنقذهم من اختصار دقائق الشريط المفرط الطول. ويمكن إيراد أهم أجزاء الفيلم التي تعرضت للتحريف الخطأ:1 ـ في الرواية يقتل جان غرنوي عن عمد، أما في الفيلم فعملية القتل الأولى التي جرته إلى سلسة من الجرائم كانت بالصدفة لإخفاء صوت الفتاة المستغيثة. وبالتالي فهو يقتل كما ذكر لوالد الفتاة الأخيرة: كانت مهمة بالنسبة إلي. ويقصد رائحتها. 2 ـ كبير صانعي العطور في باريس داستن هوفمان كان في الرواية الحكيم والمعلم الأول له الذي صقل موهبته الفطرية بتدريبه على كيمياء العقل قبل الغريزة وعلمه الأسلوب وكان رحيما به، فيما يزعق في الفيلم أكثر مما يعلم. 3 ـ والد الفتاة كان في الرواية إنسانيا وضحية، فيما أظهره الفيلم متزمتا جافا ومتعطشا للانتقام. 4 ـ الخاتمة التي انتظرها الجميع من السينما عانت بعض المشاكل: أولا ـ إظهارها بالحركة البطيئة بخلفية موسيقى رائعة هدأ من روع المشهد، الذي كان من الممكن أن يكون واحدا من أهم المشاهد في تاريخ السينما. ولعلكم تتصورون ماذا يعني أن يمارس الآلاف، في ساحة عامة، الحب بشكل علني ابتداء من أب الكنيسة وإلى الدرك والجلاد المشرف على مقصلة الإعدام.الحركة البطيئة هنا، أفقدت المشهد سخونته ودفقه ووحشيته ونزقه وحافظت على جماله فقط، فالذي حدث لم يكن ممارسة حب بين عاشقين، بل تفجر شبق بطاقة أهملها الشريط لصعوبة تصوير الطاقة على الأرجح، كان المشهد شديد الرومانسية، فيما هو في الرواية زلزال مشاعر. ثانيا، من قال إن مؤلف الرواية قدم شخصية الملاك؟ إن الناس في الساحة هم الذين رأوه ملاكا، لكنه كان شخصية خاصة جدا ونادرة ولا يعلم بأنه ملاك أو غيره من التسميات البشرية، لم يبال البتة بهذه الأوصاف ولا يغتر ما إن سمع الناس ينادونه بالملاك، إنه حتى لا يعرف ما الذي يعنونه بهذه المفردة، فكيف يرفع يديه كأنه صدق فعلا أنه صار ملاكا، ليستجيب لحركتهم في السجود إليه، هذا الإيماء لم تحتوه الرواية، ولهذا السبب كانت عظيمة، لم يعنه ما الذي يكون، هو اهتم بالرائحة وبالعطر الذي صنعه، جل هدفه كان صناعة عطر خالد لا يضاهى، هذا ما قاله لهوفمان: سأصنع العطر الوحيد!ثالثا، لماذا جنح الفيلم ودس في غضون ممارسة الجميع الجنس في الساحة استرجاع البطل لذكرى الفتاة الأولى التي قتلها وكأنه يحبها ويمارس الجنس معها؟أن غرنوي لا يستطيع أن يحب وغير مهتم بالحب وسلوكه استحواذي، لكنه فجأة يبدو عاشقا في الفيلم بمشهد الاسترجاع شاحب الخيال وكم ستكون مصيبة المخرج كبيرة لو يصدق المشاهدون بان غرنوي وقع فعلا في حب ضحيته الأولى!الرواية لم تتطرق لهذا المنولوج بالمرة، لأنه ببساطة غبي، ونسف تكوين شخصية زوسكيند، إنه مخلوق بلا رائحة، ولد في جوف زريبة أسماك، وكان يبحث عن رائحته الخاصة (شخصيته) في الروائح العظيمة للنساء اللواتي تعرف عليهن وكانت الأولى والأخيرة أهم الروائح التي شكلت عطره الفريد، وإذا كان تذكره الفتاة الأولى، لكونها الأولى التي شكلت رائحته التي قدمها للعالم.هنا لم يفرق الفيلم بين فلسفة الروائي وتكوين الشخصية الداخلي، كذلك لم يفرق بين ما هو عليه وكيف ينظر إلى الناس والكون وكيف ينظر الآخر إليه، هو لم يهتم بالآخرين فكيف غيرهم وجعلهم يحبونه إلى حد العبادة والالتهام؟ فأكثر ما كان يشغله عطره الخاص، فرادته وقيمته الخاصة، مشهده الخالد.رابعا، كثيرا ما تبدل السينما الروايات، وأكثر ما تضيف وتغير وتحذف، لكنها في حالات تتدخل وتغير نحو الأحسن، هنا كان التبديل نحو الأسوأ، حيث نسفت عظمة الرواية وأهم ما تملكه وقدمت شخصية أخرى، ناهيك عن عدم التوفيق في رسمها والصورة البشعة فنيا التي ظهر عليها البطل منذ اللحظات الأولى لظهوره في الفيلم حتى المشهد الختامي.خامسا، كان يريد أن يتلاشى بين الناس، لذلك اختار أكثر الفقراء فقرا لكي يسمح لهم بالتهامه، حتى تخترق رائحته أجساد الجميع (وليس بالضرورة جسده)، كان يريد أن يتماهى في الآخرين وأن يكون في الجميع، أقاربه الفقراء.

Grenouille meets Laure


شريط قاحل جدا
الجزء الذي كان ينبغي أن يرتاح فيه المشاهد هو الذي جمع بن واشوا وداستن هوفمان الذي لم يكن رائعا كما ألفناه في باروكته المجعدة والبودرة المخملية والذي حال مغادرته الفيلم بانهيار بيته ومعمله في النهر، أصبح الشريط قاحلا جدا من الناحية الحسية التي بني الفيلم على أساسها. وحلت الفتاة ذات الشعر الأحمر التي كان رحيقها المكمل النهائي للعطر لورا (راشيل هيرد) في الفيلم كما رحلت عنه بلا أي تأثير كوالدها أنتوين ريشيز (الن ريكمان) الذي كان أداؤه الأقل تميزا وإقناعا. فكيف بالإمكان استيعاب ارتداء هذه الفتاة الارستقراطية ملابس الفلاحين والرقص في ساحة نوتردام دي باريس ومن ثم شجارها الوقح مع والدها وهروبها عبر أزقة المدينة الموحشة في الليل.

كيف تتحرك الكاميرا لتحول حاسة إلى صور بصرية خلابة الجمال ومجيدة الرعب وبارعة القسوة وشنيعة الذهول ووحشية الإتقان ؟

خيط الخلود
إن منحة العطر الذي صنعه غرنوي لمست بذروة الاتحاد الجنسي للجموع التي كانت قبل شمها العطر تهتف بتمزيقه، اتحاد العلاقة بان كخيط الخلود الذي تناظر بين الجنس والسماء والثقافة الدنيوية الشبقة، فيما أدى العطر وظيفته أن صير الجنس عنصرا مساعدا للاتحاد الروحي ـ العاطفي وكمنبع للذكريات الجميلة والحنين والسرور الصافي الذي جعل حتى آكلي لحوم البشر في خاتمة الفيلم والرواية فخورين لالتهامهم غرنوي، بابتسامتهم الفظة التي كانت تعني حسب زوسكيند أنهم لأول مرة في حياتهم فعلوا شيئا عن حب.هكذا تقدم جان باتسيتا غرنوي نحو المقصلة بين الحشود المتعطشة لدمه متسلحا بزجاجة عطره كالقائد الروماني في أنجيل لوقا في العهد الجديد ليجبرهم على الانحناء إليه في طقس أسطوري بعد أن قهرهم بالرهبة المطلقة التي امتلكها: مطر الأزهار الذي يذهب بالعاطفة إلى العاطفة والروح إلى الروح، هذا الذي قتل حتى التفنن في الانتقام الذي توعده ألن ريكمان بأنه سيشعر بأعلى درجات السعادة ما إن يسبح في دمه، غير أنه جثا على ركبتيه متوسلا معتبرا إياه ابنه. وبجزه عنق الانتقام وامتلاكه السلطة المطلقة التي تحرك الجموع وتجبرهم على السجود تحت قدميه، حقق رائحته، قصيدته المظفرة ولم يبق أمامه إلا الغور أكثر في أفئدة الفقراء: أهله، بعد أن عاش طوال حياته مثل لا أحد لافتقاده رائحته الخاصة وهو الشخص الخاص.. جدا، وبناء على هذه الخصوصية دفعهم لكي يلتهمونه سائرا بهداية السيد المسيح القائل في إنجيل لوقا: 'أولئك الذين يأكلون لحمي ويشربون دمي سيبقون في وأنا فيهم'.