الخميس، 2 فبراير، 2012

Coco Chanel & Igor Stravinsky


من فضائل السينما، أنها تعيدنا،متى اكتملت عناصرها، إلى أي زمن، كما ظفرنا باسترجاع فاخر لعشرينات فرنسا، وصورة مقربة لعلاقة ربطت اثنين من أهم ايقونات القرن العشرين، كتقاطع ثرّ بين الثقافة والفن، لحملة أسلوب عبقري كل في مجاله: كوكو شانيل وإيغور سترافينسكي اللذان سطرا فصلا عاطفيا دخل في أساطير الحب للمجتمع الغربي قبل الحرب العالمية الثانية، التحام عابر لثنائي أحدث كل منهما ثورته مغيرين النمط السائد في زمانهما بالتداخل الذي فرض أسلوبهما على المجتمع طوال عقود
شانيل العصامية
السينما الفرنسية تدخل بقوتها لتصوير ثالث فيلم عن «غابريال» (ستكون فيما بعد كوكو شانيل) التي فقدت أمها في الثانية عشرة من عمرها، وتركها والدها مخلفا في عهدتها خمسة أشقاء في دار للأيتام، لتضطر إلى العمل بالأجر اليومي لدى خياطة محلية لتتحول إلى أشهر مصممة أزياء وعطور وإكسسوارات في القرن العشرين ولغاية اليوم، حيث مضى على وفاتها 40 عاما।
لا يزال أسلوبها المبتكر في الأناقة الذي حررت فيه الملابس من الزخرفات الزائدة وتشذيبها التايور التويد والاحذية ذات اللونين والقبعات والحقيبة المبطنة ذات السلسلة الذهبية وغيرها من بصمات التغيير الذي أحدثته في عالم الجمال ابتداء من أول دار للأزياء افتتحتها عام 1919 – باريس وأول عطر «شانيل – 5»، محدثة كل عام صدمة جديدة في الموضة جعلت الأمراء والدوقات ورؤساء الحكومات يتمنون لقاءها، لغاية وفاتها في منفاها الاختياري بعمر 87 عاما في ريتز - لوزان ودفنت في سويسرا، تاركة ملايين لا تحصى من «مجانين شانيل»
سيدات العصر
تعمدت بعد مشاهدتي «كوكو شانيل وإيغور سترافينسكي»، مشاهدة فيلمين كلاسيكيين عن ماري أنطوانيت وإديث بياف، محاولا البحث في العناصر المأساوية التي تربط النساء الثلاث، الحظ، العمل الشاق، اليتم، البحث عن الحب، الأجواء الارستقراطية في ذلك الوقت، استقلالية المرأة الفرنسية واستماتتها من أجل تحقيقها، مراقبة الملابس والتصاميم والتركيز على اللونين الأسود والأبيض، وكذلك إدهاش الفن الأصيل.
فماذا يعني أن ترتدي كوكو شانيل البنطلون، بينما الناس من حولها كانوا في الملابس الإدواردية!
الإثارة لا تنحصر في جرأة شانيل التي امتلكتها عام 1919، بل لأنها كانت حالمة، ولو ننظر قرنا للوراء، سنجد كم كانت هذه المرأة مدهشة فمن كان يفكر في عام 1913 تقديم الملابس الرياضية للنساء في محلها الجديد في Deauville؟
إن شانيل بهذه الخطوة الجبارة شكلت «جيلا جديدا» من النساء الواثقات بأنفسهن وأخرجتهن من ارتداء ملابس القطيع وكما قالت مرة: «أعطيت النساء إحساس الحرية، أنا أعدتهن إلى أجسادهن، الأجساد التي نقـّعت بالعرق، بسبب البطانات والكورسيهات والملابس الداخلية الخشنة» وهي لم تفكر أو تعمل لخدمة نساء المجتمع الراقي، كما هو شائع عنها، بل كان جمهور أزيائها متنوعا ومتاحا للجميع تقريبا، بعد تقديمها تصميم السترة مع الجينز الذي افتتحته الرائعة كاترين دينوف. ناقلو الأجواء المهيبة.
وبكامل الهيبة سنستمع في الشريط إلى موسيقى سترافينسكي الخالدة والمحرضة بغزارة نتيجة العمل الجاد للموسيقى التصويرية لغابرييل يارد (الفائز بأوسكار أفضل موسيقى تصويرية عن فيلم «المريض الإنكليزي») والمجموعة الرائعة التي قدمتها مصممة الأزياء ماري هيلين سولموني التي أرجعت كل من شاهد الفيلم لأجواء العشرينات لغاية الأربعينات وإشراف فاب شاتوني على كل الملحقات الخاصة بالإكسسوارات، تاركين الفن يتحدث عن نفسه، وإن وجد نفسه في الأماكن الضيقة
زمان الترف والجمال
ستدخل كاميرات مدير التصوير ديفيد إينغارو الفيللا الأنيقة لكوكو شانيل التي لا تجد صعوبة لرؤية باليه في مسرح دي شانزليزيه لموسيقار روسي شاب متمرد على القديم ومتعصب للتجريب. وكما في رواية كرس غرينهالغ الذي يعتني بعلم النفس والفن في أعماله مشتركا بكتابة السيناريو سوية مع كارلو دي بوينتيني، فإن المخرج الهولندي يان كونين عبر العتبات نفسها لزمن الترف، مفتتحا شريطه بباليه سترافينسكي 1913 Sacre du printemps «طقوس الربيع» بدفع من سيرجي دياغيلف لمنظم حفلات الباليه الذي سينضم بعد سبع سنوات لمجموعة أصدقاء شانيل مثل بيكاسو وليفار وسلفادور دالي وبول موران وكوكتو وشابلن وحتى تشرشل، بالإضافة إلى سترافينسكي الذي كان يتعرض حينها لانتقادات الجمهور البورجوازي الغاضب على ألحانه الساخنة وطريقته التجريبية في مزج الرقص بالموسيقى، وذلك النشاط الملتهب على المسرح الذي لم يتعوده مشاهد الباليه الكلاسيكي وقتذاك
يعرف تاريخ الموسيقى جيدا الصدمة الكبيرة التي أحدثها عرض «طقوس الربيع» في باريس – 1913 حين حرر سترافينسكي الباليه من قيود المدرسة الفرنسية، وذلك الـ scandales الفني العظيم الذي اعتبر الأهم في القرن العشرين، ناقلا ملكية الباليه من باريس إلى موسكو ليومنا هذا والذي قوبل حينها بقطع الإنارة عن الجمهور الصاخب والحزين للانتهاك الذي تعرض له الباليه على يد الشاب الروسي الذي تعرض لعملية طرد كنفاية ضارة
قدما نحو الحب
ايغور سترافينسكي (الممثل الدانمركي مادس ميكلسن) كان رجلا نقيا تملؤه كرامة «عزيز قوم» وجد نفسه هاربا من حكم الرعاع في روسيا، وهذا أثر في مزاجه الفني الذي أصبح كئيبا حتى عندما يعزف على البيانو ويكتب ألحانه على الورقة بخشونة، بينما كوكو شانيل (النجمة الفرنسية الصاعدة آنا موغلاليس)، وإن كانت يتيمة ومعوزة، لكنها امتلكت الوجه والرقبة الطويلة للارستقراطيين وتتميز بهدوء طباعهم، وعيناها السوداوان تناسقتا مع شعرها، وفي الوقت الذي كانت فيه تبحث عن عطرها، كان إيغور يفتش عن موسيقاه وبعد رفضه لمالها، ستدعو شانيل، إيغور وزوجته كاترين (إلينا موروزوفا) بعد أن اضطر للهرب من روسيا، يستقر بعدها أطفالهما الأربعة اللطيفون في فيللا مستأجرة في بيل ريسبيرو، حيث تقترب مشاعرهما، التي أدركتها الزوجة المريضة كاترين مباشرة، وبالمستطاع تخمين التوتر في هذه الفيللا والذي لم يكن من المتاح احتواؤه إلى الأبد.
ذلك لأن الحب يشكل نفسه دائما، بين شخصين مشحونين جنسيا وذوي إرادة قوية لكي تكون الأنا لديهما في الدرجة نفسها من الحرارة، لا يتطفل عليها الفن ولا عائلة ايغور، ولابد أن نسجل هنا الصعوبة التي واجهها يان كونين من أجل الوصول لعمق إلفة من هذا النوع وتأثيرها على الطرفين في حياتهما المستقبلية.
فليس من السهل على المشاهد المعاصر تقدير حالة سترافينسكي وما تعرض له هذا الشاب المتمرد على الموسيقى والباليه الكلاسيكيين، وماذا يعني أن يجد نفسه بلا مورد في المنفى مع زوجته المريضة وأطفاله الأربعة، حتى ترميه الأقدار في طريق شانيل المرأة المستقلة جدا والمستعدة لأن تكون عشيقة أي شخص، المحصنة ضد آلام الضمير، في أقصى نوباتها تعد علاقتها مع الزوج المحبّ «نزوة مؤقتة» لغاية استدانته الترفيه من قلعتها بما في ذلك دفع ثمن ذلك بممارسة الجنس معها بانتظام
الحب الإشكالي
أصبح لدينا بعد هذا الربط فضاء كاف لاستكشاف العديد من القضايا، منها طبيعة الاشتباك بين شخصيتين تمتلكان قدرا استثنائيا من الطاقة والموهبة، ليس كتقدير رؤية كونين، بل ما هو أبعد، لأن الكتابة عن الحب وتمثيله وتصويره وإخراجه مسألة غاية في الصعوبة، ولعل هذا الموضوع المرتبط بالحب الإشكالي، هو الأصعب في الفن على الإطلاق يمكنك تصوير الجريمة، الرعب، الخيال العلمي، الحرب، الطبيعة، التاريخ، لكن في أفلام الحب، لاسيما الخاصة بالمشاهير، فإن الأمر يحتاج إلى مستوى داخلي مثير يلائم التسجيل الوثائقي، ولكي لا نرى لوحة الإنجازات: موسيقى سترافينسكي من جهة تقابلها ملابس شانيل الداخلية، مثل هذا الفن الملصوق بعضه مع البعض الآخر، لا معنى له، لأنك لا تقدر في النهاية أن تتخلى عن التركيز على السيرة على حساب اللباقة العاطفية، والعكس ضروري جدا أيضا
وهم السينما
وهذا دور المخطوطة التي شارك في كتابتها الروائي والمخرج لأنها قاعدة الفيلم، لكن الأحداث ظهرت بلا خلفية والحوار بلا مغزى، ولا مجال لإقناعنا بأن الرواح والمجيء لكوكو العارية في غرفة النوم سيجعلنا نهتم بالمشهد السهل والمكرر والتقليدي كما هي حال مشاهد الزوجة كاترين الغيورة بعد كل لوحة جنسية.
إن اللحظات التي خدمت الشريط، تلك التي ألهم بها سترافينسكي العالم بسيمفونياته التي استخدم فيها الآلات الهوائية والقطع الخمس وتطوير شانيل لعطرها المعروف، وسنبقي الحكم مفتوحا على أداء مادس ميكلسن وحضوره محل عبقري الموسيقى وقدرة آنا موغلاليس للتوسط بيننا وملكة الأزياء وكآبتها المفتوحة على كل احتمالات الحب المتذبذب، لعلهما يجذبان الجمهور.
ونرى أن أهم إنجاز لكونين قدرته على إيهام السينما، وعرض مخلوقين عبقريين يلتئمان لكي يتحطما معا تكريما لوفاء سترافينسكي لزوجته، فيما تموت شانيل ضعيفة ووحيدة إلا من الطقس الربيعي الذي يجعلها ترى نفسها شابة وحية ترقص في باليه إيغور الوحشي
دونت سيرة حياة كوكو شانيل المصممة الوحيدة التي اختيرت من بين أهم 100 شخصية أثرت في القرن العشرين، عشرة كتب، والعديد من المسرحيات وثلاثة أفلام، كان آخرها الشريط الذي استمتعنا بعرضه على هذه الصفحة واختتم مهرجان كان في دورته الأخيرة.
وقبله قامت المخرجة آنا فونتيني باقتباس حياتها في شريط تلفزيوني عن كتاب لأدموند شارل رو «ليريغوليير» وقامت بدورها فيه الممثلة أودري توتو وعرض في باريس أبريل الماضي.
أما النجمة شيرلي ماكلاين، فقدمت شانيل في الفيلم الذي حمل عنوان المصممة باشارة جانبية «سيدة الأسلوب».
وفي عام 1969 وأثناء حياتها مثلت حياتها الأسطورة الأخرى أودري هيبورن على مسرح برودواي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق