الجمعة، 3 فبراير، 2012

WALL.E


قصيدة سينمائية أغرقتنا في مشاهد معدة بطريقة ذكية ومعقدة، مانحة ايانا الفرصة لمشاهدة المدن الكبرى وناطحات السحاب المحرومة من الحياة والبشر بعد 700 سنة من الآن، لا يوجد من يتجول فيها سوى إنسان آلي وصرصور، إيحاء مخيف يصور الأرض بلا ناس، مع أدلة كثيرة عن حياتهم الماضية.
هكذا تسير بنا الدقائق الأربعون الأولى بإبداع المخرج أندرو ستانتن الذي كتب السيناريو بمشاركة جيم ريردون بالاستناد على رواية ستانتن أيضا وبيت دوكتير ومدير التصوير جيرمي لاسكي وموسيقى المؤلف المخضرم توماس نيومان ومدير الإنتاج رالف إجيلستون بتوزيع والت ديزني وتصوير استوديوهات Pixar لأفلام الرسوم المتحركة، كل هؤلاء عملوا في الشريط الذي مدته ساعة و37 دقيقة والفائز بأوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة من مجموع 8 جوائز رشح لها وأعلى إقبال في شباك التذاكر وحصل على نسبة 96% من مديح نقاد السينما في العالم
بعد انقراض الحب
لا شك أن جميع المذكورين قامروا في تقديم «عاشق آلي» بعد انقراض الحب في القرون السبعة المقبلة التي سيلجأ فيها الإنسان الى العيش في كواكب افتراضية يخلقها من الفولاذ يسير فيها كل شيء إلكترونيا، حتى انه فقد قابلية المشي واكتفى بالاستلقاء على الحاضنة الآلية التي تسيـّر العالم من حوله ولا يفعل شيئا سوى الأكل والثرثرة، فبات بدينا ومدوّرا من البلادة، وكان لا بد لأحد ما من جيل الأرض القديم جدا، حتى لو كان آليا، يذكرهم بوجود ولو نبتة وحيدة تحتاج منهم العودة إلى الأرض لاستئناف الحب.
ان اختفاء الإنسانية، كان موضوعا مثيرا في السينما منذ بدايات افلام الخيال العلمي، وانشغل بها ستيفن سبيلبرغ وفرانسيز لورانس وويرنر هيرزوغ لا سيما في فيلمه الوثائقي «لقاءات في نهاية العالم»، الذي استمدت منه رواية الفيلم بعضا من أفكارها، لكنها تجتمع في مادة واحدة، تنحصر في أن الحضور الإنساني في الكوكب ليس أبديا.
الموسيقى وحدها خالدة
ولكن ماذا ستفعل لو بقيت وحيدا في الأرض؟ كيفية التكيف مع الأشياء، الأجهزة التي عمرها 700 سنة، لم نعرف لغاية انتهاء الفيلم من اين كانوا يحصلون على الطاقة لتشغيل أنفسهم وما حولهم لا بأس، فالموسيقى وحدها الخالدة، ولكي يتغلب على هذه الوحدة الرهيبة أكثر ما كان يستهوي «ويللي» الاستماع اليها. يبحث في هذا العالم المتروك، تصادفه كل الحاجيات التي تركها مليارات البشر، قسم منها لا يفهم ما تعنيه لكن فضوله يقوده في النتيجة إلى نبتة وحيدة وبقعة ضوء حمراء تقوده الى مهبط مركبة زائرة لا تقل فضولا عنه لمعرفة ما الذي يجري في الأرض.
الحقل المغناطيسي للحب
ردود فعله البشرية: الخوف الهروب الصراع من أجل البقاء التلصص الخشية التعارف ومن ثم الحب، «الروبوت» سيحب «الروبوتة» من أول اشعاع. الروبوتة كان واجبها استطلاع وتصوير الارض ولأنها حديثة، فكانت تتمتع بقدرات تكنولوجية أحدث كونها آخر موديل وليس كويللي الكهل جدا.
لم تنتبه الى وجوده في البداية، لكنها في لحظة تحرش الصرصور بها سددت عليه من اشعتها لونا من الرحمة وتركته يتنفس الصعداء. يبدأ التودد الذكري والاهتمام لغاية وقوعها في حقل مغناطيسي ليبدأ تعارفهما بأصوات الروبوتات: أنا ويللي.. وأنت؟ تجيبه: ايفا. والاجمل أنه يدعوها الى منزله، روبوت ذكري حقيقي! ما تبقى من ثقافة: الرقص.
ستتعرف على فنون البشر وبالطبع الموسيقى وحدها، يلعبون ويلهون ويسليها بألعاب الاطفال، وبالثقافة التي تقدمها الرقص.. أول شيء سيعلمها، ما تبقى من ثقافة الأرضيين. بعدها ستتعرف على النار باشعالها ولاعة، كشمعة تقارب النور المخفي في أسلاكهما، يقدم لها النبتة كهدية، لكنها ستتعطل في أول منحة انسانية.. يرفع لها المظلة ما ان يسقط المطر يرسم لها القلب تلو الآخر، ستعود المركبة لتصحبها من جديد، هناك لا وجود لأعذار تكنولوجية، كل شيء محسوب، يحاولون معرفة ما الذي دهى «حواء» التي بلعت النبتة وتوقفت عن الإشارة.
سيتسلق «العاشق الآلي» المركبة من أجلها لاحقا بها عبر «الاتموسفير» والنار وانعدام الدنيا التي تعود عليها، سيرى الفضاء مشبعا بالغرائب، سيطرق عليها نافذة المركبة ويهتف باسمها.. وفي خضم هذا الجو الرومانسي الساحر، لا بد أن يصدمون. استغراقك بهذا الجمال بالعلم الأميركي، كإثبات أنهم سيحكمون الفضاء بعد قرون، فكرة هوليوودية حمقاء تشبعت منها السينما المحترفة.
لا يضير، سيحلق بالحب ويتنهد في فضائه، حتى يخترق عالم المكائن الذين يتحكمون بالبشر السمان، لأنهم لا يؤدون شيئا سوى إصدار الأوامر للروبوتات الكثيرة التي تؤدي لهم لكل شيء حتى التفكيرهناك، حيث فقد الحب والارادة والرغبة والعطف سيظهر ويللي، وايفا حاملة تربة النبتة الوحيدة التي ما ان يلامسها انسان الفضاء يعتقدها نوعا من القمامة.
دروس الحب
سيبدأ ويللي في تلقيننا دروس الحب الواحد تلو الآخر، عانقها وقبلته وطارت النبتة وحدها، سيشع فرحا، قبلته اخيرا، كيف نسي البشر لمس أكف حبيباتهم، سيتعلمون الحب من المكائن المبرمجين، لكن النبتة ستقنعهم بالعودة الى بيتهم الارض ستدك الثقافة الأرضية معاييرهم وفي مقدمتها الرقص، الآن عرفوا ما الذي يعنيه كل هذا.
من يطالب بالعودة الى الارض فسيلقى في مزبلة الروبوتات، لكن تبرز خصلة أخرى لدى الآليين وهي الرحمة، سيصلح بعضهم الآخر ويجمعون بعض الانصار لمساندة قائد الكوكب الفولاذي الغريب الذي بدأ يتذكر «البيت»، اول مرة يقفون ويمشون، منذ قرون من الجلوس لم يتعلموا فيها حتى المشي.
بعد أحداث دراماتيكية، سيصلون الى الارض بانتظارهم الصرصور الذي يقدم درسا أرضيا آخر هو الوفاء، حيث يقودهم الى مخزن ويللي ليعيدوا تصليحه، وفي اشد حيرتها ادركت ايفا انه بحاجة الى قبلة الحياة: تشابك الكفين
تلك الأغاني الحلوة
لقد منحنا الشريط قصة حب بسيطة وجذابة في نقاوتها العاطفية وتمسكها بعنوان الرومانسية، فن الرقص والموسيقى، بالقصائد الغنائية شبه المنسية لجيريه هيرمان وتذكارات لويس آرمسترونغ، التي أعادتنا لتبجيل الكنوز الموسيقية للقرن العشرين. يعلمنا النص، أننا لن ننقرض مهما كانت العواصف، مهما كنا ثملين بالاستهلاك، قد تبعث فينا الروح بعوضة أو صرصور أو مكنة آلية.
يتحرك الفيلم بمهارة مقدما كوميديا رومانسية راقية متوقفا عند أدق التفاصيل: المدرسة القديمة للحياة، الصرير والقعقعة والزقزقة، المسامير والصدأ والغبار الذي علا الحضارة، اللامبالاة والإحساس المفقود والفصاحة الضائعة
انتصارا للطبيعة
ليست الأجواء النظيفة في الكوكب الفضائي الفولاذي دليلا على النقاوة، ليست الصرامة الإلكترونية تنتج مواضيع الحياة، ان السيناريو قدم أجمل توبيخ لتناقضات اليوم وانتصارا للطبيعة ونقدا للثقافة الاستهلاكية والشركات الدؤوبة لتحويلنا إلى آليين تتحول فيه أجيالنا القادمة الى وجوه مدورة من الغباء وأطراف ضعيفة وقصيرة من قلة العمل والراحة، الكراسي الآلية هي التي تحركهم وتثبتهم على شاشات الفيديو ويأخذون سعراتهم الحرارية من كؤوس لا طعم فيها، وكم سيكونون وحيدين بلا موسيقى.
ان الشريط يندد بإنسان الزمن الغابر (الراهن في حقيقة الأمر) في أنه حوّل الأرض الجميلة إلى مخزن كبير للنفايات ولم يجد له حلا سوى إدمان الراحة والكسل وترك الأمور على عواهن المكائن المتخصصة، لقد كسبوا كل شيء وخسروا القلب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق