الجمعة، 3 فبراير، 2012

Intimacy


لا شيء ساحر كالحب، لسوء الحظ..
يأخذنا حنيف قريشي في روايته «حميمية» – 1998 التي استند اليها فيلم يحمل الاسم نفسه عام 2001 فاز بجائزة الدب الذهبي لمهرجان برلين وأداره الفرنسي باترايس شيراو. ولا تعوزنا كلمات قريشي: «لو كان بوسع الكتاب في الماضي أن يروا جميع القصص المكتوبة ستترجم مستقبلا إلى الشاشة لوفروا الكثير من وقتهم لأناس مثلي» للتبصر في منهل هذا السحر الذي تسرع في الإنجاز لينقلب على الساحر، ولسوء الحظ حدث هذا التوقع.
التسرع في مواجهة الحب الحقيقي، استهلاك داء الفصام العاطفي للخيانة، الزواج كمنظومة مشكوك فيها للمحافظة على الحب هي عناصر حنيف قريشي الذي قبل التحدي في «بوذا الضواحي» 1990 (جائزة وايتبريد)، «الألبوم الأسود» 1995، «السيناريوهات الكاملة» 2002، «الجسد» 2003، «الأم» 2003، «الاذن على قلبه» 2004 و«الكلمة والقنبلة» 2005 بالإضافة إلى العديد من القصص والمسرحيات والسيناريوهات التي كان أشهرها ترشيحه للأوسكار كأفضل نص سينمائي «مغسلتي الجميلة» 1984।
خطط قريشي لملء هذه التضاريس الموحلة في رواية قصيرة ساحبا شخوصه بعجالة لأداء مهامهم بطوق من الراوي غاي الذي سيقضي ليلة طويلة من التردد والتوبة واسترجاع الذنوب مسجلا الرقم القياسي في القلق। وكحال والد كريم في «بوذا الضواحي» الذي يفعلها في يوم مضيء، يصل اختناق غاي من زوجته سوزان مداه الكافي بعد ست سنوات من تعذيب النفس وتحمل آخر «عديم الطعم» حتى لو كان الثمن ترك طفلين دون إيقاظهما فجأة من الحلم معتقدا: "أن ترك شخص ليس أسوأ شيء يمكنك أن تفعله له".ولديه الخداع ضروري لتهويل عذاب النفس المصطدمة بقيم الواجب والرغبة معتقدا أنه اكتشف المفتاح في «نينا» ( غيروا اسمها في الفيلم ) التي قد تحتمله أو يحتملها على أقل تقدير. وإن بدا غاي لبقا، إلا أنه مزيج متنقل من التناقضات يجعل من الصعب العثور على شخص يتعاطف معه، باديا كأكثر من يحتاج إلى الشفقة من بين كل المخلوقات رغم أنه زير نساء تقليدي لم يفكر بالتوبة أبدا.
إنتاج الإحساس
وعاشق قريشي يحاول إنتاج الإحساس بالحميمية المنبعثة بالأساس من يأس إيحائي والبحث عن مشاعر أصيلة كالحب الحقيقي ضمن الزاوية التي يرسمها: «بعد عمر معين لا يتبقى سوى أناس محددين، في ظروف معينة، نسمح لهم بأن يحب أحدهم الآخر»، والظرف قد ينسجم معه بالطريقة نفسها التي يرفضها: "كم يسعى حتى أولئك الأكثر إثارة للمشاكل على التمسك بتقاليد صارمة ينبغي الهروب منها مادام العمر وصل منتصفه".
الخيارات تضيق كرواية «مفكرة» لبريجيت جون التي نافست حنيف قريشي في طليعة الكتب الشعبية حيث الزوجان يطحنهما الغضب من بعضهما ويفكر كل منهما في الهرب من الآخر। والهروب لم يكن في الساعات الأربع والعشرين التي حددها قريشي لغاي كي يترك زوجته وأطفاله، لكنه فعلها مرهونا بخريطة الرواية، على العكس من سالنجر الذي اضطر لوصف حياة بطله كلها كتحضير للهروب، سواء كان جديا أم حلما في التغيير، وهكذا يتحول صوت الراوي مثل بوح لجزيئات العلاقات الغرامية السرية ولعله الشعور نفسه الذي يلطم كل رجال العالم الذين تركوا زوجاتهم بسبب السأم والحاجة إلى التغيير.
سؤال العدالة
وماذا بالنسبة للعلاقة بين القارئ – المشاهد والرجل الذي رسخته حتى الآداب المتقدمة كصاحب القرار وكأن الملل والاختناق يصيبان الرجال فحسب في منظومة الزواج؟ ولماذا في كل مرة نرهن الهروب من الزوجات بملحقات عاطفية ومقبلات جنسية كأنها الوازع الأول في تبني الأفكار والمشاعر وكما لو لم يكن ثمة خيار لتغيير الحياة وترك الآخر المرتبط معه بوثيقة عهد، ولا سبب يدفع الى ذلك غير الجنس؟ (حتى المناجاة الداخلية التي ميزت الرواية تركها الشريط ليعوضها بالجنس).
هل يتحرك الحب بعد أن يترك الرجل زوجته وأطفاله؟ ألا يوجد غير الجنس في السينما لتصوير الحب؟ هل اكتفت الكاميرا ولم ينشط السيناريو من تقديم الحب إلا في إطار اللقاءات الغرامية الأسبوعية؟
وهذا الرجل الذي ترك زوجته لحظة ولادتها طفله الأول لينهي هذه الليلة مع خليلة طارئة، هو الذي يقرر بعد سنوات أنه كان مخنوقا وعمره يمضي ببلادة رمي أكياس الزبالة وتقشير البطاطا، ولماذا لم تكن متوالية الضجر من مؤسسة الزواج عادلة بالنسبة لامرأة تقضي يومها في الكدح من أجل توفير هذه البطاطا؟
واللجوء إلى أساسيات الحبكة في عرض نموذج آخر يعيش حياة عائلية مستقرة، بل ورائعة بدور الرقيب والناصح، يظهر كتحقيق توازن مفروض على الشخصية الذكورية ونظرتها إلى مؤسسة الحياة. مثل هذه الروايات أو الأفلام تزعم تقديمها المفاجآت في وقت لا عناصر للمفاجأة فيها. ويمارس الكاتب ضغوطه على القارئ ويكشف له بعض المبررات ويستبدل قلقه في كل مرة في مقولة تبرر الصورة المثيرة اللاحقة التي قرر تقديمها له ولكن عن أي طريق جديد للتغيير علينا الاقتناع، مادامت هي النهاية نفسها التي تعودنا عليها!
عناصر التصديق
إن قريشي أجهد نفسه بشكل واضح لتصوير الشعور بالعزلة لدى غاي، لكنه لم يفعل الأمر نفسه لبسط ضحالة بوصلته الأخلاقية، ذلك أن كل البشر يشعرون بالإحباط بتقدم العمر والرجال منهم يـُذلـَون بالضعف الجنسي، وهو مصير قريشي الذي تبناه غاي الذي عاش زهو شبابه في لندن السبعينات وقسوة الثمانينات وخمول التسعينات معيدا كل الاتهامات السياسية الى جيله، الأخير المدافع عن اليسار المشوش والمتراجع نحو السياسة الجنسية وكأنه المصل الذي غذى شرايين حزب العمال ووعود الترف والمروج الوحيد للعمل اللانهائي.
وفي الرواية كما في السينما، حين تريد التخطيط لعبور شخصيتك من حالة إلى أخرى ( سياسية أو اجتماعية أو عاطفية) لا تكفي المناجاة وحدها لتحقيق هذه الحيلة الفنية، ويتطلب من الكاتب، صناعة بحر من العناصر القابلة للتصديق كمعادل درامي مطلوب ولا فرق هنا بين الكلمة المكتوبة والإطار المُصَور.
وفي الحقيقة إن روايات قريشي تميل إلى العوم في الكوكتيل اللغوي والبصري المتضمن المرح والجدية والنابعة بحس سليم ما بين الثقافة العالية والبسيطة مع وثبات من الجنس الخام لأناس يرغبون جدا في عيش حياتهم.
هتاف قريشي
وبالمقارنة غير الايديولوجية بين بريطانيا الستينات والتسعينات، فأن الحركة السياسية الشخصية التي قدمها قريشي كانت سياسة من «الخارج» إلى «الداخل» (ميزت كل أعماله) وكأنه يريد أن يخبر الناس أنكم بحاجة إلى الحب والحميمية (داخل) لذلك ابتعدوا عن شوارع لندن، المحلات، الحانات، النوادي الليلية، العمارات السكنية، الوجوه المحدقة بعضها ببعض بتشنج، الأماكن المكتظة (الخارج)،، انكم فاقدون إلى «الألفة الإنسانية» (نميل إلى فهم Intimacy بهذا الوصف) وان بيئتكم الحضارية صارت مجردة تماما من الرومانسية।
الأبيض والأسود كما أن قضية " الأسود" أو " غير الأبيض" ذات معاني متعددة عند قريشي ولعلها ملتبسة، فلا نعرف أيها يقصد في التمييز بين ألوان البشر، وإن كان تعريفا سياسيا وثقافيا أو مجموعة متنوعة من الميراث الآسيوي والفريقي والكاريبي غارق في حقل الاعتراضات، وربما يقصد مرة الذات الحيوية وأخرى الكتل العرقية وهل كان يصنف شخوصه لكي نحكم عليهم بشكل "اثني مطلق" لاسيما في مروره العرضي وبناءه الاستطرادي غير الثابت لتحويل الهوية الذاتية إلى عرقية كفضاء مقترح مع إشارات من هنا وهناك للاختلافات الآنية التي يؤجلها الراوي دائما أو يرجئ حسم معناها النهائي.
النظرية الذكورية
وكما في «بوذا الضواحي» نجد نساء قريشي يستمتعن بقهر إزاحتهن المريبة من الرجال، كما حصل لجميلة الثورية المحترفة التي ترتضي الزواج بقريبها دون أن تراه لتتصدر بعدها قائمة الخيانات وتشوش ثقافتها بين تطرف اليسار الستيني – السبعيني والخلفية الإسلامية والثقافة الاستهلاكية والتعصب الأبوي والقيم الغربية وفلسفة الحياة الجديدة والمجابهات الحادة التي لا تفضي إلى الحب والحميمية التي تبقى تذرع المعادلة السقيمة.
ونكاد نصدق في أن أي امرأة كانت تجلس في صالة العرض يمكنها التنبؤ في أن من كتب الفيلم وأخرجه رجال دون الحاجة إلى مراجعة الدليل، فالرؤية الذكورية للحب والجنس هي الطاغية ومن المستحيل تلمس رؤى أنثوية لمعالجة قضية مشابهة كما فعلت مثلا ليزي بوردن في «العاملات».
كما أن شجاعة الفيلم الظاهرية لا تنقذ خلوه من الإدراك، فمعالجة الوحدة لرجل أربعيني مثلا، لا تتم بالانتقام من النساء، ولمَ يتحمل الشريك عدم رضاه عن شذوذه الجنسي الذي يجبره للبحث عن شركاء بدائل ليخرج من الصنارة التي أوقع نفسه فيها، فضحاياه لا يستطيعون تأدية دور الملجأ الآمن للتخلص من العزلة الذاتية بتأثير الحاضر في الفيلم تنسي وليامز، لأن المحبط غير مؤهل في الأساس لأن يمنح الآخر أي شيء ناهيك عن تشييد الحميمية.
يحق لأي كاتب أو مخرج المحاولة، لكنه سيقدم في النتيجة حميمية بلا شكل وروح. والمثير في حكايات قريشي أنها لن تنتهي، ليس لأن الراوي جعلها مفتوحة، بل لأنها حقا لا تمسّ كالهوّة المتزايدة بين الشرق والغرب، الولاء الإسلامي والأرضية الغربية، البحث عن انسجام لا يخلف وراءه أزمات متزايدة وأن تحقق الإنجازات الذاتية دون إيذاء الآخرين.
وفي حقيقة الأمر لم يرو قريشي سيرة ذاتية لأنه يهوى ذلك، كان يحاول تطوير نظرياته الغاضبة الخاصة بالحب، وبالتأكيد الحب الذي كان لزاما عليه أن يكون كبيرا ومعنوياته عالية، وابتدأ في كسر المنظومة العائلية، متحاشيا الألوان مؤقتا ( مهما كانت المرأة بيضاء أم سوداء، فمصيرها محتوم)، لكن عثرته الكبرى أن عملية الكسر دائما يشرع في تنفيذها الذكور الشرقيون المهاجرون الذين لم يتقبلهم المجتمع الإنكليزي بالكامل، فيما كانت الهند –كنموذج للشرق– غير مكتملة الصورة أو «مُتخيـَلة»، يعيد اختراعها مما علق منها من الأسلاف الآباء المرتطمون في صراع بين الإرث والأرض الجديدة.
الأزمات المكعبة
إن كل الأزواج لدى قريشي «متورطون» (كل رواياته على الإطلاق: تطلب من الزوج الذي بلغ عامه الخامسة والستين تغيير جسده بالكامل لكي يجرب جسدا شابا لمدة ستة أشهر كما في رواية «الجسد» وفي «بوذا الضواح» يصارح الأب أبنه بعد عشرين سنة من الزواج بأنه الآن فحسب يشعر بأنه لا يحمل عواطف تجاه زوجته). كانت الزيجات مرتبة لفشل لا يمكن تفاديه، سواء كان مرتبطا بالمؤسسة العائلية أو أزمة التسلط الأبوي ومن الصعب العثور على أي من شخوصه ممتن للثقافة السائدة – تعليمه – علاقته مع الأقربين – توازنه مع المدينة وتناقضاتها، الغربية بعطور شرقية.
لا يوجد في الأدب أسهل من إيلاج القارئ في مجموعة الأحداث المبنية على الاختلافات الطبقية والقيم الأيديولوجية.ويلاحظ أن لا أحد يتبنى نصائح أحد، ولا حتى نصائحه الخاصة، هي رغوة من الجذل الغارق في الوحدة والإباحية المباشرة التي لا تبني نفسها من الداخل، بل تجد مأواها وضوضاءها لتحدد مكانها في الخارج فارضة تناقضاتها كواقع حال على كل الشخوص و«وكم من المزعج حقا أن أوهامنا غالبا ما تكون هي اعتقاداتنا الأكثر أهمية».
من يجتاز العتبة؟
لا يترك قريشي نساءه يتسكعن كما يفعل مع الرجال ويحرص على تخفيض الاتصال بين الرجل والمرأة إلى حده الأدنى الطبيعي (حتى في علاقة كريم وجميلة في «بوذا الضواحي») نأخذ مثلا: «ثمة أشياء أكثر كآبة من نزع الثياب في العتمة إلى جانب امرأة أخرى لن تستيقظ من أجلك».
وفي «الحميمية» يبرز غاي مثل باسل قرر اجتياز العتبة بجرأة، ذلك الحاجز الذي رفض عبوره الكثيرون، وإذا كنت تفعل هذا الأمر في عرين أحبائك، فكيف ستملك العواطف الكاملة مع شخص آخر يطلب منك –بالضرورة– أكثر من جرأة اجتياز العتبة (ستتعقد المهمة لو آمنا بصوت فرويد الكامن في داخل الرجل)؟
إن الحب السليم لا يمكن بناؤه على أكوام حب سابق، قد تنجح هذه النظرية في بناء علاقة زواج على أنقاض أخرى، ولكن في الحب ستتبدد الأماني مجددا بفعل الحزن والوحدة التي ستقدم جسدا باردا لا يقوى على الارتباط بالآخر لا من الداخل ولا الخارج ولن يستطيع أحد ملء الفراغات في غرف النوم المؤقتة التي اقترحها شيراو كنوع من الحل لإدارة الحب بالجنس، لأن حشد الفراغات بين الطرفين لن يقوّم بينهما روحا مشتركة مهما بذلا من محاولات। وإذا نخطأ مع امرأة ثم نعيد الخطأ مع أخرى وهكذا، فكيف ستسوى الأمور مع أنفسنا في نهاية المطاف، فالذي يغدر امرأة لا يمكنه الإخلاص لأخرى.
بين الرواية والفيلم
كما لو كان المخرج الفرنسي باترياس شيراو يجلس في مكان خلفي وكل العاملين في الفيلم بمن فيهم قريشي - الذي تمت مصاهرة نصين له في فيلم واحد وبشكل غريب- في المكان المتقدم، الفاخر.شيراو ارتضى المقعد الخلفي تاركا لقريشي المقعد الأمامي، وهذا أكبر الأخطاء التي ارتكبها قريشي بحق روايته التي ساهم في كتابة سيناريو الفيلم مع شيراو ولويز تريفيدس.
إن شهادة غاي في «حميمية قريشي» تحولت إلى لقاءات الأربعاء من الفن الإيروسي لدى شيراو الذي لم يعتقه الاتهام في أنه قدم «التانغو الأخير في لندن» ناسفا الحبكة الثنائية الأبعاد (ربما بمساعدة قريشي نفسه) مادامت الكآبة في الرواية صارمة ومألوفة ولن تحقق «الألفة» مع جمهور السينما كالحميمية التي حققتها الرواية مع القراء الممتعضين من السياسة البليدة لبريطانيا التسعينات باحثين عن «سياسة العلاقات الشخصية»: الزواج، الأطفال، المجتمع، الجنس وكما وصف قريشي روايته :«كنت أطرح موضوعا مهما حول المشاكل التي يواجهها المتزوجون».
وعلى عكس قريشي، اهتم شيراو بالجنس كطاقة غير شخصية، وبالعاطفة من دون علاقة، بسحر الأجساد وليس المتعة وابتعد عن الشعور القوي والتعقيد العاطفي.
لقد أبدى قريشي شعورا بالذنب محاه شيراو، فالتأثيرات المروعة التي اهتم بها الكاتب، اعتبرها المخرج أفكارا ليست مهمة لعبور شريطه إلى مزاج الجمهور، وهنا فقد باترياس شيراو بعد النظر كالذي رأيناه في فيلمه «الملكة مارجوت» وفقد المرح في الجنس المعروف في المدرسة الفرنسية للسينما।
الذنوب المشتركة
لا قريشي ولا شيراو قدما غاي وكلير(مارك رولانس الذي أدى هاملت على مسرح شكسبير اللندني وكيري فوكس التي انتزعت جائزة أفضل ممثلة في مهرجان برلين) كمحبين يسبب لهما الحب الإغماء من شدته ويستحق ترك الأطفال، بغض النظر عن تجاوز معرفة الأسماء في «تانغو باريس»، نجدهما في «تانغو لندن» بالكاد يتحدثان بعضهما لبعض واجتماعهما مقتصر على الجنس في شقة لندنية قذرة تقع في قبو (إشارة انحطاط) وبدت هذه العلاقة بمحدوديتها، تعني أشياء مختلفة إلى كل منهما وحتى مشاعرهما كانت تبنى كرد فعل لطبيعة الحميمية الطليقة كمثير بصري وليس حسيّا، صعوباتهما هادئة بسبب شظايا الحب وليس الحب نفسه الذي بدا في أغلب الأحيان سطحيا، ولطالما شتتت المشاهد الجنسية تركيز جمهور السينما وأي بلاهة يسببها الاضطرار لرؤية غاي وكلير عاريين في المشاهد المتعاقبة، ألم يكن الأجدر إظهارهما عاريين روحيا لنتعقب وإياهما الحل؟
وما أسقط الفيلم في الهاوية، أن «حميمية شيراو» اندست في رائعة بيرناردو بيرتولوشي «التانغو الأخير في باريس» 1972. كما أن الشريط عانى من مشكلة غريبة وهي الخلطة، فقريشي الذي رشح للأوسكار عام 1984 لسيناريو «مغسلتي الجميلة» استخدم الخلطة الشرقية والغربية في كل أعماله وفي هذا الشريط تم خلط قصته «ضوء ليلي» مع روايته «حميمية» وفوق هذا أتوا بمخرج فرنسي ليكمل هذا الكوكتيل العجيب!
المهلة الوحيدة التي يعطيها المخرج للجمهور كي يلتقط أنفاسه هي ارتداء العاشقين الواقيات الجنسية (وهو إعلان جيد لضمان جنس آمن)، لكن منذ متى كان البشر يمارسون الجنس وهم يشخرون؟!
أما المشاهد الجنسية، فصورت كلها على الأرض كما لو أن الشخوص يعانون فعلا من «كآبة السرير».
وبدا مدير التصوير إيريك غاوتير يحمل كاميرته بقلق واستسلم للبطء دون أن يثيرنا بصورة واحدة مهمة حتى عندما أعطي حرية تصوير الفراغات. ويبدو أن غاوتير تم تكبيله كما ينبغي في السيناريو الذي شارك فيه شيراو الخارج من تقاليد المسرح الفرنسي.
وهكذا لم يحمل المخرج 120 دقيقة من شريطه بشجاعة عبر حقول الألغام العاطفية والجنسية التي كان يزرعها قريشي في طريق عشاقه، فالحب قد ينمو في غرف النوم البشعة، لكنه لا يستطيع الاستمرار والثبات عندما لا تنجز العواطف وظائفها، بما في ذلك الفضول وتبادل الأدوار والإدهاش والجراح والاكتشافات المتتالية والتقاط التفاصيل المخفية في الآخر، في الحيرة والغيرة، في الاستسلام إلى الحرية الصغيرة مهما كانت ضآلتها، التراجع لفسح الفضاء للمحبوب. والحب سيتأثر في الحلول المدروسة بشكل سيئ والتأثيرات التقليدية لمتاعب منتصف العمر التي تكون ضحيتها زوجة كادحة وطفلين حالمين.
نعرف أن التساؤلات تنبع من قضايا، منها وتعود إليها. وفي الفنون لو كانت هذه التساؤلات غامضة ستكسب الجاذبية، لكنها في الشريط واضحة، بل واضحة جدا.فأي حب لا يحمل ألغازه سيكون مملا، فأحداث الفيلم تصل إلينا من وجهة نظر غاي لذلك من السهولة توقع لحظات الحميمية من شريك غير مثير غاضب على تقدم العمر، لذلك من الطبيعي أن يكون مجرى الشريط متشائما رنته حزينة وحتى مميتة.
إن لغة الجسد في الفنون بإمكانها توضيح عواطف الشخوص غير المعلنة وديناميكية أي علاقة، غير أن المخزي في الإبداع هو أن كل مشهد عرض خطط له بعين الإنتاج (آخذين في الاعتبار الرقابة البريطانية المشددة)، مما يجعل الزيف مهيمنا عليه.
كما لا توجد سينما تمر فيها على الشريط دقائق طويلة لا يحدث فيها شيء، الأفلام الرائعة تمنح في كل ثانية وتعطي وتذهب بك أبعد مما تتوقع وقد يقال أي شيء عن شريط شيروا، عدا كونه عميقا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق